لباس، صوت، سير.. هكذا يرى المغاربة أنفسهم في الشارع العام

نجوى القاسمي
في ظل التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي على مختلف الأصعدة، لم يعد الفضاء العام مجرد مكان للعبور أو قضاء الحاجيات، بل أصبح فضاء يعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية ويجسد مستوى الوعي المدني لدى الأفراد.
فمع تصاعد إيقاع الحياة الحديثة وتداخل المرجعيات الثقافية، أصبحت ممارسات السلوك المدني مؤشرا حقيقيا على مدى التزام المواطنين بقيم النظام والانضباط، واحترام الآخر والمجال المشترك.
وانطلاقا من أهمية هذا الموضوع، أطلق المركز المغربي للمواطنة استطلاعاً للرأي يهدف إلى رصد تمثلات المواطنين حول سلوكهم داخل الفضاءات العامة، وقياس مدى التزامهم بمبادئ السلوك الحضاري، مثل احترام المواعيد، الوقوف في الطوابير، التعامل في وسائل النقل، الالتزام بقوانين السير، احترام ضوابط اللباس، وآداب الحديث في الأماكن العمومية.
التزام ضعيف باحترام الوقت
أظهرت نتائج الاستطلاع أن غالبية المشاركين عبّوا عن عدم رضاهم عن مدى احترام المغاربة للمواعيد والالتزام بالوقت، إذ بلغت نسبة غير الراضين 60,7%، في حين وصف 34,8% الوضع بالمقبول أو المتوسط، مقابل 4,6% فقط عبّروا عن رضاهم.
في ما يخص احترام الطوابير وانتظار الدور، عبر 46,3% من المستجوبين عن عدم رضاهم، فيما رأى 41,5% أن السلوك في هذا الجانب متوسط، بينما لم تتجاوز نسبة الراضين 12,4%، ما يعكس ضعف تجذّر هذه الثقافة في السلوك اليومي
أما على مستوى السلوك في وسائل النقل العمومي، فقد عبر 54,8% عن عدم رضاهم، بينما وصف 37,8% الوضع بالمتوسط، و7,4% فقط أعربوا عن رضاهم، وهو ما يشير إلى خلل واضح في احترام قواعد التعايش في هذا المجال الحيوي.
قوانين السير.. غياب الالتزام
وفي ما يتعلق باحترام قوانين السير من قبل السائقين والراجلين على حدّ سواء، أكد 60,9% من المستجوبين أنهم غير راضين، مقابل 32% رأوا أن السلوك متوسط، فيما عبّر 7,2% فقط عن رضاهم.
على مستوى اللباس اللائق في الفضاءات العامة، اعتبر 33,3% أن السلوك غير مرضٍ، في حين وصف 42% الوضع بالمتوسط، و24,9% عبّروا عن رضاهم. أما في ما يتعلق بمدى احترام النبرة الصوتية وعدم التحدّث بصوت مرتفع في الأماكن العمومية، فقد عبّر 53,5% عن عدم رضاهم.
بين الموروث والحداثة.. حاجة إلى وعي جماعي
إن هذه النتائج، وإن كانت صادمة في بعض جوانبها، تعكس بوضوح حجم التحديات المرتبطة ببناء سلوك مدني جماعي يعزّز من قيم العيش المشترك ويكرّس الانضباط والنظام. فهي تدعو إلى مراجعة السياسات التربوية والتوعوية، وتعزيز الأدوار المنوطة بمؤسسات التنشئة الاجتماعية، من أسرة ومدرسة وإعلام، بهدف ترسيخ ثقافة احترام الآخر والمجال العام.
في الختام، يمكن القول إن السلوك المدني لا يبنى بالقوانين وحدها، بل يحتاج إلى وعي فردي وجماعي بأهمية احترام الفضاء المشترك، وتغليب المصلحة العامة على النزعات الفردية، بما يضمن للمجتمع الانتقال نحو نموذج حضاري يعكس قيم المواطنة الفاعلة والانخراط الإيجابي في الحياة العامة.




