شبح التصويت العقابي يُطارد “الأحرار”.. وأعيان تاونات يبحثون عن “قارب نجاة”

حسين العياشي
أثار إعلان محمد غنمات، ممثل مجموعة جماعات “التعاون” بإقليم تاونات، اعتزاله النهائي للعمل السياسي داخل الإقليم، صدمة داخل الأوساط الحزبية المحلية، ليس فقط بسبب القرار في حد ذاته، بل لما يحمله من مؤشرات على حالة ارتباك عميقة يعيشها حزب التجمع الوطني للأحرار في مرحلة ما بعد رحيل عزيز أخنوش عن قيادة الحزب.
القيادي المحلي اختار إعلان انسحابه عبر تدوينة مقتضبة على صفحته بموقع للتواصل الاجتماعي، من دون تقديم أي تفسير للرأي العام أو للمناضلين، وهو صمت زاد من منسوب التأويلات، ودفع كثيرين إلى ربط الخطوة بتحولات داخلية متسارعة أفقدت الحزب جزءاً من بوصلته التنظيمية والسياسية داخل عدد من الأقاليم، من بينها تاونات.
داخل الكواليس، لا يُنظر إلى القرار باعتباره حالة فردية معزولة، بل كجزء من موجة تململ متصاعدة وسط الأعيان والمنتخبين الذين شكّلوا لسنوات عماد الحضور الترابي للحزب. فبعد مرحلة كان فيها الالتفاف حول القيادة السابقة يوفّر نوعاً من الضبط السياسي والتوازن الداخلي، بدأت الثقة تتآكل تدريجياً في ظل قيادة جديدة لم تستطع، وفق تقديرات متابعين، فرض نفس الانضباط أو الحفاظ على نفس منسوب التعبئة.
هذا التحول فتح الباب أمام مخاوف حقيقية من تكرار سيناريو السقوط الذي عاشه حزب العدالة والتنمية تحت ضغط التصويت العقابي، وهو هاجس بات يؤرق عدداً من المنتخبين والأعيان الذين يفضلون إعادة التموضع مبكراً بدل انتظار لحظة الانهيار الانتخابي. وفي هذا السياق، تتحدث مصادر متطابقة عن بحث متزايد داخل صفوف الحزب عن “مواقع أكثر أماناً” سياسياً، سواء عبر إعادة التموضع داخل أحزاب أخرى أو عبر الانسحاب المرحلي في انتظار وضوح الرؤية.
القلق لم يعد محصوراً في النخب السياسية المحلية، بل بدأ يمتد إلى مستويات تدبير المجالس الجماعية، حيث تشير معطيات متداولة إلى أن عدداً من المنتخبين لا يعتزمون انتظار الاستحقاقات الجماعية المقبلة، بل يدرسون خيار تقديم الاستقالة قبل أوانها، حتى وإن كلفهم ذلك التضحية بالمقاعد الحالية، في مقابل ضمان موقع تنافسي في الانتخابات التشريعية القادمة، التي تُعد بالنسبة لهم أكثر حسماً في تحديد المستقبل السياسي.
هذه المؤشرات تعزز فرضية دخول الساحة الحزبية مرحلة جديدة من “الترحال السياسي” الواسع، قد تتجاوز في حجمها ما عرفته محطات سابقة، خاصة إذا استمر فقدان الثقة في قدرة القيادة الحالية على الحفاظ على تماسك التنظيم وإعادة بناء خطابه السياسي. فالأعيان، الذين لطالما تحركوا وفق منطق التوازن بين النفوذ المحلي وضمان الاستمرارية، لا يبدون مستعدين للمغامرة بالبقاء داخل حزب تتزايد حوله الشكوك بشأن جاهزيته للاستحقاقات المقبلة.
في هذا المناخ، يبدو اعتزال غنمات أكثر من مجرد قرار شخصي أو ظرفي، بل إشارة مبكرة إلى تصدعات أعمق داخل البنية التنظيمية لحزب التجمع الوطني للأحرار، وإلى بداية مرحلة إعادة فرز داخلية قد تعيد رسم الخريطة السياسية بالإقليم، وربما على نطاق أوسع، إذا ما استمرت موجة فقدان الثقة واتسعت دائرة البحث عن بدائل سياسية قبل حلول موعد صناديق الاقتراع.





