المدرسة المغربية بين ضغط الأعداد ورهان الجودة (دراسة)

حسين العياشي
في الوقت الذي يواصل فيه المغرب تعبئة موارد مالية وبشرية مهمة لإصلاح منظومته التربوية، تضع دراسة أكاديمية حديثة مسألة كثافة الفصول الدراسية في صلب النقاش حول جودة التعلم ونجاعة السياسات التعليمية. الدراسة، التي أنجزها الباحثان يونس لقديري ونوال الوزاني التوهامي، تنبه إلى أن عدد التلاميذ داخل الفصل يشكل أحد أبرز العوائق البنيوية أمام تحسين التحصيل الدراسي، محددة العتبة المثلى في حدود 23 تلميذاً، في مقابل واقع يفوق فيه متوسط عدد التلاميذ في المدارس العمومية 36، ما يعكس حجم التحدي القائم بين الطموح الإصلاحي وشروطه الميدانية.
البحث، المنشور حديثاً في مجلة علمية دولية متخصصة في تطوير التعليم، اعتمد على تحليل معطيات نتائج المغرب في دراسة “بيزا 2022”، وهي تقييم تنظمه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لقياس كفايات التلاميذ البالغين 15 سنة في الرياضيات والقراءة والعلوم. وشملت العينة نحو 5962 تلميذاً من 150 مؤسسة تعليمية عمومية، ما أتاح قاعدة بيانات واسعة مكّنت الباحثين من الربط بين الأداء الدراسي والسياق الاجتماعي وكلفة النظام التعليمي.
هذا التقاطع بين المعطيات أفضى إلى خلاصة واضحة: الحجم الأمثل للفصل الدراسي في المغرب يناهز 23.4 تلميذاً. رقم يبدو بعيداً عن الواقع الحالي الذي تصل فيه كثافة الفصول إلى متوسط 36.5 تلميذاً، حيث يُستهلك جزء كبير من الزمن المدرسي في ضبط الأقسام وتدبير الاكتظاظ بدل توجيهه نحو التعلم الفعلي والتفاعل التربوي.
وتكشف الأرقام أن تقليص عدد التلاميذ داخل الفصل يحدث فرقاً ملموساً في النتائج الدراسية. فعندما ينخفض العدد إلى أقل من 23 تلميذاً، ترتفع النقاط المحصلة في اختبارات “بيزا” بما يتراوح بين 15 و20 نقطة، مع مكسب متوسط يصل إلى 25 نقطة في الرياضيات والقراءة والعلوم. ويعني ذلك أن الفصول الأقل اكتظاظاً تمنح المدرسين وقتاً أطول لمرافقة التلاميذ، وتقديم شروحات أدق، وتتبع مسارات التعلم بشكل فردي أكثر فعالية. في المقابل، تبدأ النتائج في التراجع بوضوح كلما تجاوز عدد التلاميذ عتبة 30، حيث تطغى متطلبات ضبط القسم على الزمن المخصص للتعلم.
ويعيد هذا الوضع إبراز هشاشة بنيوية في المنظومة. ففي سنة 2022، سجل التلاميذ المغاربة في سن 15 سنة 365 نقطة في الرياضيات و339 في القراءة و365 في العلوم، أي بفارق يتجاوز 100 نقطة عن متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. ورغم أن المغرب يخصص ما يقارب 5.9 في المائة من ناتجه الداخلي الإجمالي لقطاع التعليم، فإن أثر هذا الاستثمار يظل محدوداً بفعل ضغط الاكتظاظ وارتفاع نسبة التلاميذ لكل مدرس مقارنة بالمعايير الدولية.
وتكمن أهمية الدراسة في مقاربتها المنهجية؛ إذ لم تكتف بقياس أثر حجم الفصول على النتائج الدراسية، بل سعت إلى تحديد مستوى أمثل يوازن بين النجاعة التربوية والقدرة التمويلية للنظام، قبل اختبار هذا المستوى عبر نموذج للاستدلال السببي. وقد تلاقت نتائج الطريقتين عند نطاق يتراوح بين 23 و24 تلميذاً لكل فصل، ما يعزز متانة الاستنتاجات ويمنحها قوة تفسيرية أكبر.
غير أن الوصول إلى هذا الهدف يطرح سؤال الكلفة، وهو معطى حاسم في أي إصلاح هيكلي. فوفق محاكاة الدراسة، فإن خفض عدد التلاميذ إلى المستوى الأمثل سيرفع الإنفاق السنوي لكل تلميذ من 3059 إلى 4568 درهماً، أي بزيادة تقارب 49 في المائة، ما يستلزم توظيف أكثر من نصف العدد الحالي من المدرسين بشكل إضافي، وتنزيل الخطة تدريجياً على مدى يتراوح بين ست وثماني سنوات. ولتقدير جدوى هذا الاستثمار، قارن الباحثان بين الكلفة الإضافية والمكاسب المنتظرة في التعلم.
وتشير النتائج إلى أن تقليص كثافة الفصول قد يرفع معدلات “بيزا” بنحو 25 نقطة في المتوسط، أي ما يعادل تحسناً يقارب 0.5 في المائة في الأداء مقابل كل زيادة بنسبة 1 في المائة في الإنفاق. ووفق هذا المؤشر، يُصنف العائد على الاستثمار بأنه جيد، بل ويتجاوز مردودية العديد من السياسات التعليمية المطبقة في دول ذات مستويات تنموية مشابهة، ما يعني أن المكاسب التعليمية المتحققة قادرة، على المدى المتوسط، على تعويض كلفة الموارد الإضافية.
ولا تقتصر آثار تقليص الاكتظاظ على تحسين النتائج العامة، بل تمتد إلى تحقيق نوع من الإنصاف داخل المنظومة. فقد أظهرت الدراسة أن خفض عدد التلاميذ يفيد جميع الفئات تقريباً، بغض النظر عن مستواهم الدراسي أو خلفياتهم الاجتماعية، إذ يبقى المستوى الأمثل شبه ثابت بين التلاميذ الميسورين ونظرائهم من الأوساط الأقل حظاً، مع فروق طفيفة. وهو ما يعني أن اعتماد هدف وطني موحد في حدود 23 إلى 24 تلميذاً لكل فصل يمكن أن يرفع الأداء العام دون تعميق الفوارق.
ومع إدراك القيود المالية واللوجستية، يقترح الباحثان مساراً انتقالياً أكثر واقعية، يقوم على خفض عدد التلاميذ في مرحلة أولى إلى ما بين 28 و30 تلميذاً، لتفادي العتبة التي تبدأ عندها النتائج في التدهور، مع الحفاظ على توازن الميزانية وتدبير حاجيات التوظيف بشكل تدريجي.
بين المثال النظري وإمكانات التطبيق، تتحدد ملامح تحول صامت في شروط التعلم داخل المدرسة المغربية. فخلف الأرقام والمؤشرات، تكمن حقيقة تربوية بسيطة: كلما تقلص عدد التلاميذ في الفصل، اتسع هامش التفاعل، وزاد وقت الشرح والتقويم والمواكبة، وتعزز حضور المدرسة في حياة التلميذ بوصفها فضاءً للتعلم لا مجرد قاعة مكتظة بالانتظار.





