مهداوي لـ”إعلام تيفي”: الحاجة ملحّة لإعادة ضبط الحدود بين نزع الملكية والاعتداء المادي

حسين العياشي

في خضم الجدل المتصاعد حول مشروع تعديل القانون المنظم لنزع الملكية لأجل المنفعة العامة، تتكاثر القراءات القانونية الناقدة لمضامين النص القائم وللفلسفة التي يقوم عليها المشروع الجديد، في سياق يتسم بحساسية متزايدة تجاه حدود حماية حق الملكية وطبيعة التوازن المطلوب بين سلطة الدولة وضمانات الأفراد. فقد أعاد النقاش الدائر إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة بشأن مدى وضوح المفاهيم المؤسسة لهذا المجال، وحجم الاختلالات التي أفرزها التطبيق العملي على امتداد سنوات طويلة.

في هذا السياق، اعتبر المحامي فاروق مهداوي، في تصريحه لـ“إعلام تيفي”، أن الإطار القانوني الحالي نشأ في سياق تاريخي كانت فيه الأولوية لحماية الملكية، غير أن تطور الممارسة كشف عن ثغرات بنيوية رافقت النص منذ نشأته، وفي مقدمتها الغموض الذي يكتنف مفهوم “المنفعة العامة”، وهو المفهوم المركزي الذي يقوم عليه القانون برمته. ويشير إلى أن هذا المفهوم ظل واسع الدلالة، سواء في الصياغة التشريعية أو في التأويل القضائي، ما فتح الباب أمام تعدد القراءات واختلاف التطبيقات، وأثر بشكل مباشر في توازن العلاقة بين الإدارة والمواطن.

كما شدّد أن أولى خطوات الإصلاح تقتضي ضبط مفهوم المنفعة العامة بدقة، ووضع حدود واضحة تميّز بين نزع الملكية باعتباره مسطرة قانونية مؤطرة بضمانات محددة، وبين ما يمكن أن يتحول، في بعض الممارسات الإدارية، إلى اعتداء مادي على ممتلكات الأفراد خارج الإطار القانوني. فغياب هذا التمييز الصريح، في نظره، يوسع من هامش تدخل الإدارة ويضعف الحماية المفترضة للحقوق الفردية، ما يستدعي إعادة بناء الضوابط القانونية بما يضمن التوازن بين متطلبات المصلحة العامة وصون الملكية الخاصة.

كما تتصدر مسألة التعويض، وفق مهداوي، قائمة الإشكالات المرتبطة بالنص الحالي، سواء من حيث آليات التقييم المعتمدة أو من حيث نتائجها على أرض الواقع؛ فاللجان الإدارية المكلفة بتحديد قيمة العقارات المنزوعة ملكيتها تعتمد في كثير من الأحيان مرجعيات سعرية محدودة، وهو ما يفضي إلى تعويضات يعتبرها المتضررون دون القيمة الحقيقية لممتلكاتهم؛ مضيفًا أن القضاء، في عدد من الحالات، لا يتجاوز سقف التقديرات التي تضعها هذه اللجان، الأمر الذي يعمّق الإحساس بعدم الإنصاف ويغذي منسوب التوتر بين الإدارة والملاك.

أما بخصوص مشروع القانون الجديد، فيقر بأنه يتضمن بعض المقتضيات التي قد تسهم جزئيا في معالجة عدد من الإشكالات المطروحة، غير أن المقاربة العامة التي تحكم صياغته، في تقديره، لا تزال تميل إلى تحصين موقع الدولة أكثر مما تسعى إلى ترسيخ حماية فعالة لحقوق الأفراد. فالنص، رغم محاولته سد بعض الثغرات، لا يقدم حلولاً جذرية قادرة على إعادة بناء منظومة متوازنة لحماية الملكية، ولا يعالج بشكل عميق الاختلالات البنيوية التي أفرزتها سنوات من التطبيق.

ويخلص مهداوي إلى أن واقع حقوق الملكية في المغرب ما يزال يواجه تحديات حقيقية، تعكسها النزاعات المعروضة على المحاكم والملفات التي تتصدر النقاش العمومي، مؤكدا أن هشاشة هذه الحقوق مرشحة للاستمرار ما لم يُفتح نقاش أوسع وأكثر جرأة حول أسس المنظومة القانونية برمتها. فالمشروع، بصيغته المتداولة حاليا، يظل خطوة محدودة الأثر، لا ترقى إلى مستوى التحول المطلوب لضمان حماية متوازنة وفعالة لحق الملكية في مواجهة متطلبات المنفعة العامة، ولا تعيد الثقة الكاملة في قدرة القانون على تحقيق الإنصاف بين الدولة والمواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى