حملات مراقبة المواد الغذائية في رمضان ..ضرورة قصوى لكن على طول السنة

سكينة بوست: صحافية متدربة
مع اقتراب شهر رمضان من كل سنة، تتحول الأسواق المغربية إلى فضاءات تعجّ بالحركة والإقبال الكثيف على المواد الغذائية، في ظل ارتفاع ملحوظ في وتيرة الاستهلاك وتغير واضح في العادات الشرائية للأسر. وتشير معطيات رسمية صادرة سنوياً عن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية إلى أن فترة ما قبل رمضان وخلاله تعرف تكثيفاً لعمليات المراقبة، حيث يتم حجز وإتلاف كميات مهمة من المواد غير الصالحة للاستهلاك أو غير المطابقة للمعايير الصحية، في إطار عمليات التفتيش التي تشمل مختلف نقاط البيع والتخزين.
هذا الإقبال المتزايد يدفع السلطات المحلية والمصالح المختصة إلى تعزيز عمليات التفتيش الميداني داخل الأسواق والمحلات التجارية، بهدف التأكد من احترام شروط السلامة الصحية، ومراقبة تواريخ الصلاحية، وظروف التخزين، إضافة إلى تتبع الأسعار والتصدي لأي ممارسات احتكارية أو مضاربات قد تمس القدرة الشرائية للمواطنين.
ورغم البلاغات الرسمية التي تعلن عن نتائج هذه العمليات، فإن شكاوى المستهلكين تتكرر مع كل موسم، سواء بسبب رصد منتجات منتهية الصلاحية، أو بسبب ارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية. هذا الواقع يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى نجاعة هذه الحملات الموسمية، وحول أسباب استمرار بعض الاختلالات رغم تشديد المراقبة خلال فترات الذروة الاستهلاكية، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول ضرورة استمرارية الرقابة وتعزيز وعي المستهلك بدوره في حماية نفسه.
هذا الواقع يضعنا أمام مفارقة واضحة: تكثيف المراقبة من جهة، واستمرار بعض الاختلالات من جهة أخرى. فهل يتعلق الأمر بضعف في آليات التتبع؟ أم بغياب استمرارية المراقبة طوال السنة؟ أم أن المضاربة وغياب الوعي الاستهلاكي لدى جزء من المواطنين يساهمان بدورهما في تغذية هذه الظواهر؟
في تصريحه حول فعالية الحملات الموسمية لمراقبة المواد الغذائية، أكد محمد بنقدور، رئيس الجامعة الوطنية لحماية المستهلك ل“إعلام تيفي”، أن الإشكال لا يرتبط فقط بتكثيف المراقبة خلال شهر رمضان، بل بطبيعة تنظيم السوق واستمرارية المراقبة طيلة السنة.
وأوضح أن المغرب أقدم منذ سنة 1996 على تحرير مجموعة من المواد الأساسية، باستثناء بعض المواد المدعمة كالسكر والغاز والدقيق المدعم، في حين تبقى أسعار الخضر والفواكه وغيرها من المواد محررة، مع اشتراط إشهار الأسعار فقط. وبذلك، يحق للبائع تحديد الثمن الذي يراه مناسباً، ما دام يعلن عنه بشكل واضح، وهو ما يجعل مسألة الأسعار في حد ذاتها خاضعة لقانون العرض والطلب، بينما تظل المراقبة مرتبطة أساساً باحترام شروط الجودة والسلامة الصحية.
وأشار بنقدور إلى أن شهر رمضان يعرف انتشاراً واسعاً للباعة المتجولين وغير المتجولين الذين يعرضون مواد غذائية متنوعة في الشوارع، أحياناً بترخيص من الجماعات المحلية وأحياناً دون ترخيص، معتبراً أن مراقبة هذا العدد الكبير تبقى صعبة في غياب تقنين واضح للقطاع. وشدد على أن الحل يكمن في تقنين هذه الأنشطة، بحيث لا يمنح أي ترخيص إلا بعد موافقة المصالح المختصة، وعلى رأسها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، باعتباره الجهة المسؤولة عن سلامة المنتجات ومراقبتها.
وأكد أن جودة المنتجات الغذائية ليست إجراءً موسمياً، بل سلوك دائم يجب أن يستمر طوال السنة، محذراً من أن الاقتصار على الحملات الظرفية يترك المجال مفتوحاً أمام التلاعب بصحة المواطنين في فترات أخرى. كما دعا إلى مراقبة شاملة لا تقتصر على المنتوج فقط، بل تشمل أيضاً الشخص الدي يراقب، من حيث توفره على بطاقة صحية وخلوه من أمراض معدية، معتبراً أن المراقبة تكون أكثر فعالية عندما تتم تحت إشراف السلطات المختصة، بما يضمن الجدية والالتزام بالقانون.
وختم بنقدور بالتأكيد على دور المستهلك، مشيراً إلى أن حماية الصحة مسؤولية مشتركة، وأنه على المواطن تجنب اقتناء المنتجات المعروضة في ظروف غير ملائمة، خاصة تلك التي تباع على قارعة الطريق دون احترام شروط السلامة. كما ذكّر بأن شهر رمضان هو شهر عبادة واقتصاد في الاستهلاك، وليس شهر تبذير، داعياً إلى ترسيخ ثقافة الاستهلاك الواعي باعتبارها جزءاً من السلوك المجتمعي السليم.





