حقوق النساء بالمغرب بين رهانات الإصلاح القانوني وتحديات الواقع الاجتماعي

أميمة حدري
يتجدد النقاش حول أوضاع النساء بالمغرب مع تخليد اليوم العالمي للمرأة، وسط دعوات متزايدة إلى تسريع الإصلاحات التشريعية والاجتماعية الكفيلة بتعزيز حقوق النساء وتحقيق مزيد من الإنصاف داخل الأسرة والمجتمع، وعلى رأسها التعجيل بإخراج مدونة أسرة جديدة تستجيب للتحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة.
ويتزامن إحياء هذا الموعد العالمي مع سياق وطني يتسم باستمرار مجموعة من الأوراش الإصلاحية والتنموية التي تسعى المملكة من خلالها إلى تعزيز موقعها الدولي وترسيخ مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا الإطار تتصاعد المطالب بضرورة تسريع إصلاح مدونة الأسرة بما يحقق التوازن داخل الأسرة المغربية ويواكب التحولات العميقة التي عرفتها بنية المجتمع، خاصة في ظل تزايد القضايا المعروضة على محاكم الأسرة، وهو ما يعكس الحاجة إلى مراجعة شاملة للنص القانوني الحالي بما يضمن مزيدا من العدالة الأسرية ويكرس مبدأ المساواة بين النساء والرجال في إطار الاختيارات الدستورية للمملكة.
كما يثار في هذا السياق تأثير الأوضاع الاقتصادية على النساء، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط التي تواجهها القدرة الشرائية للأسر المغربية.
وتبرز النساء، خاصة المعيلات للأسر والعاملات في القطاعات الهشة، ضمن الفئات الأكثر تأثرا بهذه التحولات الاقتصادية، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة النقاش حول ضرورة تبني سياسات اجتماعية أكثر إنصافا تستهدف حماية الفئات الهشة وتعزيز شروط العيش الكريم.
ولا يقتصر النقاش على الأبعاد الاقتصادية فقط، بل يمتد ليشمل تأثير التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية التي عرفتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، والتي انعكست بشكل مباشر على الفئات الأكثر هشاشة، ومن بينها النساء في العالم القروي أو داخل الأسر المتضررة من الكوارث الطبيعية، ما يعيد طرح الحاجة إلى سياسات عمومية تراعي البعد الاجتماعي والإنساني في تدبير هذه الأزمات.
وفي موازاة ذلك يستمر الجدل حول ظاهرة العنف القائم على النوع الاجتماعي، باعتبارها من أبرز التحديات التي تواجه النساء، حيث تتزايد الدعوات إلى تعزيز الجهود المؤسساتية والمجتمعية لمكافحة مختلف أشكال العنف الموجه ضد النساء والفتيات، والعمل على ترسيخ ثقافة مجتمعية قائمة على المساواة والاحترام المتبادل.
كما يبرز ملف البطالة في صفوف النساء كأحد القضايا المطروحة بإلحاح في النقاش العمومي، في ظل استمرار الفوارق في الولوج إلى سوق الشغل وظروف العمل.
ويعيد هذا الوضع طرح مسألة إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بما يسمح بتعزيز مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي وضمان شروط عمل منصفة تحافظ على كرامتهن وتكفل حقوقهن المهنية.
وفي سياق متصل، يبرز ورش تعميم الحماية الاجتماعية الذي انخرط فيه المغرب خلال السنوات الأخيرة كأحد المشاريع الكبرى التي ينتظر أن تسهم في تحسين أوضاع الفئات الهشة، ومن بينها النساء، خاصة في ظل النقاش المتزايد حول ضرورة الاعتراف بالدور الاقتصادي والاجتماعي الذي تؤديه النساء داخل الأسر.
وتشير معطيات صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط إلى أن العمل المنزلي غير المؤدى عنه يشكل مساهمة اقتصادية مهمة في الاقتصاد الوطني، إذ قدرت المؤسسة أن قيمته تمثل نحو 18 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، وهو ما يعكس حجم الدور الذي تضطلع به النساء في الحفاظ على تماسك الأسر واستقرارها الاجتماعي رغم استمرار هذا العمل خارج آليات التقييم الاقتصادي الرسمي.
وتعيد هذه المعطيات النقاش حول ضرورة إدماج العمل المنزلي والرعائي ضمن السياسات العمومية المرتبطة بالحماية الاجتماعية، بما يسمح بالاعتراف بقيمته الاقتصادية والاجتماعية ويضمن للنساء حقوقا اجتماعية فعلية تعزز استقلاليتهن الاقتصادية وتكرس مبدأ العدالة داخل المجتمع.





