بعد مقتل أئمة المساجد.. هل أصبح ملف الصحة النفسية قنبلة اجتماعية موقوتة؟

أميمة حدري
أعادت حوادث الاعتداء التي استهدفت عددا من أئمة المساجد بالمغرب خلال الأسابيع الأخيرة، تسليط الضوء على واقع الصحة النفسية والعقلية في البلاد، وسط تصاعد النقاش العمومي حول مدى قدرة المنظومة الصحية، على التعامل مع فئة المرضى النفسيين والمضطربين عقليا، وما إذا كان الإهمال المزمن لهذا الملف قد يحوله إلى تهديد اجتماعي وأمني متنام.
ففي ظرف أقل من شهر، شهدت مدن مختلفة حوادث عنف طالت أئمة مساجد في ظروف متباينة، من بينها جريمة قتل إمام مسجد أثناء صلاة الفجر بإقليم الدريوش، إضافة إلى حوادث أخرى، بينما تم إحباط محاولة اعتداء جديدة داخل مسجد بأزغنغان إقليم الناظور، ما أعادت طرح أسئلة حول العلاقة بين الاضطرابات النفسية غير المعالجة وبين مظاهر العنف في الفضاء العام، خصوصا في ظل مؤشرات رسمية تؤكد هشاشة منظومة الرعاية النفسية بالمغرب.
المعطيات الرسمية، تشير إلى أن الاضطرابات النفسية تشكل أحد أبرز التحديات الصحية في المملكة، وهو الأمر الذي أقرت به وزارة الصحة والحماية الاجتماعية سنة 2024، إذ أن نحو 17 بالمائة من المغاربة يعانون من اضطرابات أو مشاكل مرتبطة بالصحة النفسية بدرجات مختلفة، وهي نسبة تعكس حجم الطلب المتزايد على خدمات العلاج والدعم النفسي في بلد يتجاوز عدد سكانه 36 مليون نسمة.
ورغم هذا الحجم من الاحتياجات، تكشف الأرقام الرسمية عن خصاص واضح في الموارد البشرية والبنيات التحتية المتخصصة في الطب النفسي. فقد أكد وزير الصحة والحماية الاجتماعية أن المغرب لا يتوفر سوى على 381 طبيبا متخصصا في الأمراض العقلية، إضافة إلى عدد محدود من الأطر الصحية الأخرى العاملة في هذا المجال.
كما تتوزع خدمات العلاج النفسي على 11 مستشفى متخصصا فقط في الأمراض النفسية، تضم نحو 1358 سريرا استشفائيا، إلى جانب 32 مصلحة للطب العقلي داخل المستشفيات العمومية تضم حوالي 989 سريرا، وهو رقم يعتبره خبراء غير كاف لتغطية الحاجيات الفعلية للسكان.
وتبرز هذه المعطيات حجم الفجوة بين الطلب المتزايد على خدمات الصحة النفسية وبين الإمكانيات المتاحة داخل المنظومة الصحية، خاصة في المناطق القروية أو المدن الصغيرة التي تعاني من ضعف التغطية الطبية. وقد سجل المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره السنوي برسم 2023-2024، أن منظومة الصحة العقلية في المغرب تواجه صعوبات هيكلية متعددة تحد من فعالية السياسات العمومية في هذا المجال، سواء على مستوى الوقاية أو العلاج أو توزيع الخدمات الصحية عبر التراب الوطني.
وتشير تقارير رقابية إلى أن هذه الاختلالات ترتبط بعدة عوامل متداخلة، من بينها ضعف الاستثمار في البنيات التحتية المتخصصة، وقلة الموارد البشرية المؤهلة، إضافة إلى محدودية برامج الوقاية والتكفل المبكر بالاضطرابات النفسية. كما تعاني المنظومة الصحية من تفاوت مجالي واضح في توزيع الخدمات، حيث تتركز أغلب المؤسسات المتخصصة في المدن الكبرى، بينما تبقى مناطق واسعة بدون تغطية كافية.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المتابعين أن غياب مقاربة شمولية للصحة النفسية قد يؤدي إلى تفاقم الظاهرة في الفضاء العام، حيث يجد بعض المرضى أنفسهم خارج منظومة العلاج والمتابعة، وهو ما يزيد من احتمال وقوع حوادث أو اعتداءات. وتزداد خطورة هذا الوضع مع استمرار الوصم الاجتماعي المرتبط بالأمراض النفسية، الذي يدفع كثيرا من الأسر إلى تجنب طلب المساعدة الطبية في المراحل الأولى من المرض.
كما يطرح المتخصصون إشكالية التكلفة المرتفعة للعلاج في القطاع الخاص، وهو ما يجعل الوصول إلى خدمات العلاج النفسي صعبا بالنسبة للفئات الهشة، خصوصا في ظل محدودية العرض العمومي.
ويؤكد خبراء أن العلاج النفسي غالبا ما يتطلب متابعة طويلة المدى تشمل العلاج الدوائي والدعم النفسي وإعادة التأهيل الاجتماعي، وهي خدمات تحتاج إلى منظومة متكاملة يصعب توفيرها في ظل الإمكانيات الحالية.
وفي مقابل هذه التحديات، تشير الحكومة إلى أنها أطلقت برامج لتعزيز خدمات الصحة النفسية، من بينها إدماج العلاجات النفسية داخل بعض مؤسسات الرعاية الصحية الأولية، وتوسيع عدد المراكز المتخصصة في علاج الإدمان، إضافة إلى تخصيص مناصب مالية جديدة لتكوين أطباء وممرضين متخصصين في الطب النفسي. غير أن تقارير رسمية تؤكد أن هذه الإجراءات ما تزال غير كافية لسد الخصاص القائم.
وبينما تثير حوادث الاعتداء التي طالت أئمة المساجد صدمة واسعة في المجتمع المغربي، فإنها في الوقت نفسه أعادت فتح نقاش أوسع حول وضعية الصحة النفسية في البلاد، ومدى الحاجة إلى إصلاحات عميقة في هذا القطاع. فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن الملف لم يعد مجرد قضية صحية، بل أصبح يرتبط بشكل مباشر بالأمن الاجتماعي وجودة الحياة داخل المجتمع، وهو ما يجعل تطوير سياسات فعالة في هذا المجال ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى.





