تكديس الأرباح على حساب الأمن الطاقي: ضرورة تنظيم قطاع المحروقات في المغرب

بشرى عطوشي
تحليل- في أوقات الأزمات العالمية، مثل الحروب الطاقية أو ارتفاع أسعار النفط فجأة، تتكشف هشاشة السوق المغربي للوقود، خاصة في ظل اعتماد البلاد على الاستيراد الكامل للمنتجات المكررة منذ توقف مصفاة لاسامير. ما يثير القلق بشكل متزايد هو سلوك بعض شركات توزيع الوقود والغاز، التي تميل إلى تكديس الأرباح دون بناء مخزون احتياطي كافٍ أو مراعاة تقلبات الأسعار العالمية.
هذا التوجه يجعل السوق أكثر عرضة للصدمات، حيث يؤدي أي اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع حاد للأسعار إلى انعكاسات مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، على الرغم من أن السوق نفسه يحقق أرباحاً كبيرة خلال هذه الفترات. ببساطة، الربح الآني يتم على حساب الأمن الطاقي الوطني واستقرار السوق الداخلي.
أثر تكديس الأرباح على الاستقرار الطاقي
نقص المخزون الاستراتيجي: الشركات تميل إلى تقليل المخزون لتفادي تكاليف التخزين، ما يجعلها عاجزة عن تلبية الطلب في أوقات الاضطراب.
ارتفاع الأسعار داخلية بشكل أسرع: عند أي أزمة دولية، تفرض السوق الأسعار الدولية مباشرة على المستهلك دون وجود أداة للتخفيف.
ضعف التنسيق مع الدولة: غياب خطة موحدة للمخزون أو آلية لتوزيع الوقود أثناء الأزمات يجعل من الصعب على الحكومة التدخل سريعاً.
الحلول المناسبة لتنظيم القطاع
يمكن لمؤسسات الدولة التدخل عبر عدة آليات لضمان التوازن بين الربح الخاص والمصلحة العامة:
1. فرض احتياطي إلزامي للمخزون: تحديد نسبة محددة من الوقود يجب على كل شركة الاحتفاظ بها، لضمان قدرة السوق على الصمود لأشهر محددة أثناء الأزمات.
2. رقابة صارمة على الأسعار وهوامش الربح: مراقبة دورية لضمان أن الأرباح لا تتحقق على حساب تقلبات الأسعار وتأثيرها على المواطن.
3. تنظيم الاستيراد والتخزين بشكل مركزي: يمكن للدولة أن تشرف على جزء من الاستيراد أو التخزين الاستراتيجي، بما يضمن وجود مخزون احتياطي يغطي أوقات الاضطراب العالمي.
4. حوافز للاستثمارات طويلة الأجل: تشجيع الشركات على الاستثمار في التكرير المحلي أو التوسيع في البنية اللوجستية لتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي.
5. عقوبات على عدم الامتثال: فرض جزاءات قانونية ومالية على الشركات التي تتجاهل قواعد المخزون الإلزامي أو تسهم في زيادة الأسعار بشكل غير مبرر.
السوق المغربي للوقود يعكس اليوم خللاً بين الربح الخاص والمصلحة العامة، حيث يمكن للشركات تحقيق أرباح عالية خلال أزمات الطاقة دون أن تساهم في حماية الأمن الطاقي الوطني.
الحل لا يكمن في منع الربح، بل في إعادة تنظيم القطاع وتحديد قواعد واضحة للمخزون والأسعار والرقابة، مع توفير أدوات الدولة لضمان الاستقرار خلال الأزمات. في عالم تتزايد فيه الصدمات الطاقية، يصبح هذا التنظيم ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية للمحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين واستقرار الاقتصاد الوطني.





