هل ينجح المغرب في كسب معركة داء السل في ظل خصاص البنيات الصحية؟(حوار)

فاطمة الزهراء ايت ناصر

يخلد المغرب، على غرار باقي دول العالم، اليوم العالمي لمحاربة داء السل الذي يصادف 24 مارس من كل سنة، في سياق تتزايد فيه الدعوات إلى إعادة تسليط الضوء على هذا المرض الذي لا يزال يشكل تحديا صحيا واجتماعيا، خاصة في ظل ارتباطه الوثيق بعوامل الفقر والهشاشة وضعف الولوج إلى الخدمات الصحية.

ويأتي هذا الموعد السنوي هذه السنة تحت شعار يركز على الأشكال خارج الرئة، في محاولة لتعزيز الوعي بطبيعة المرض المعقدة، التي لم تعد تقتصر على الجهاز التنفسي فقط، بل تمتد لتشمل مختلف أعضاء الجسم.

وفي خضم هذه التحديات، يطرح واقع المنظومة الصحية إشكالات عميقة تتعلق بضعف البنيات التحتية ونقص الأطر الطبية المختصة، إلى جانب تراجع عدد المراكز والمستشفيات الموجهة لعلاج داء السل، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة التكفل بالمرضى.

في هذا الإطار، يقدم الدكتور جمال الدين بوزيدي الإدريسي، طبيب مختص في أمراض الحساسية والتنفس والمناعة بالرباط، قراءة شاملة لواقع داء السل في المغرب، من خلال  الحوار التالي:

في ظل الوضع الحالي، كيف تقيمون واقع التكفل بمرضى داء السل في المغرب، خاصة من حيث الموارد البشرية والبنيات الصحية؟

يمكن القول إن واقع التكفل بمرضى داء السل يواجه اليوم مجموعة من التحديات البنيوية العميقة، في مقدمتها الخصاص الواضح في الأطر الطبية المختصة، سواء على مستوى أطباء الأمراض الصدرية أو الأطر التمريضية المدربة على تتبع هذا النوع من الحالات المزمنة والمعقدة.

هذا النقص لا ينعكس فقط على جودة التشخيص، بل يمتد أيضا إلى تتبع المرضى وضمان التزامهم بالعلاج، وهو عنصر أساسي في محاربة هذا الداء.

إلى جانب ذلك، نسجل تراجعا ملحوظا في عدد المستشفيات والمراكز الصحية التي كانت مخصصة أو شبه مخصصة لعلاج داء السل.

فقد تم تحويل أو إغلاق عدد من هذه المؤسسات، وهو ما خلق ضغطا كبيرا على المراكز المتبقية، خاصة في المدن الكبرى.

هذا الوضع يؤدي إلى الاكتظاظ، وغياب أسرة كافية، بل أحيانا إلى عدم قدرة المستشفيات على استقبال المرضى في ظروف لائقة، وهو أمر خطير بالنظر إلى طبيعة المرض المعدية وحاجته إلى عزل نسبي وظروف صحية مناسبة.

كيف يؤثر هذا النقص في البنيات الصحية على المسار العلاجي للمريض؟

داء السل ليس مجرد مرض يُعالج بالأدوية فقط، بل هو حالة صحية تتطلب تكفلا شاملا، يشمل البيئة التي يعيش فيها المريض، ونوعية تغذيته، وظروف متابعته الطبية. عندما تغيب البنيات الصحية الكافية، يصبح من الصعب توفير هذه الشروط الأساسية.

المريض في كثير من الأحيان لا يجد سريرا في المستشفى، أو يُطلب منه العودة إلى منزله في ظروف قد لا تكون ملائمة من حيث النظافة أو التهوية أو التغذية.

وهذا يؤثر سلبا على مناعته، ويبطئ من وتيرة استجابته للعلاج، بل وقد يزيد من احتمال نقل العدوى إلى محيطه، وبالتالي، فإن النقص في البنيات الصحية لا يؤثر فقط على الفرد، بل يشكل أيضا خطرا على الصحة العامة.

ماذا عن وسائل التشخيص الحديثة مثل جين إكسبير، هل ساهمت في تحسين الكشف عن المرض؟

لا شك أن إدخال تقنية جين إكسبير شكل نقلة نوعية في مجال تشخيص داء السل، حيث تتيح هذه التقنية الكشف السريع والدقيق عن البكتيريا المسببة للمرض، كما تمكن من تحديد ما إذا كانت مقاومة لبعض الأدوية، وهو أمر بالغ الأهمية لتحديد البروتوكول العلاجي المناسب.

لكن، رغم أهميتها، فإن هذه التقنية لا تزال غير معممة بالشكل الكافي في مختلف مناطق المغرب، خاصة في المناطق القروية أو الهامشية، كما أن تكلفتها المرتفعة تجعل صيانتها وتجديد معداتها أمرا صعبا بالنسبة لبعض المؤسسات الصحية، ما يؤدي أحيانا إلى توقفها عن العمل.

وفي هذه الحالة، يطلب من المرضى إجراء التحاليل في مختبرات خاصة، وهو ما يطرح إشكالا كبيرا، لأن تكلفة هذه التحاليل قد تصل إلى مبالغ مرتفعة لا يقدر عليها العديد من المرضى، خاصة في ظل الهشاشة الاجتماعية التي يعيشها جزء كبير منهم.

العامل الاجتماعي والاقتصادي يلعب دورا حاسما في مسار المرض والعلاج، داء السل غالبا ما ينتشر في الأوساط التي تعاني من الفقر والهشاشة، حيث تكون ظروف العيش غير ملائمة من حيث الاكتظاظ، وسوء التغذية، وضعف الولوج إلى الخدمات الصحية.

ورغم وجود إطار قانوني يعفي مرضى السل من تكاليف العلاج، إلا أن التطبيق على أرض الواقع قد يطرح بعض الصعوبات، حيث يُطلب من المريض في بعض الأحيان أداء مصاريف أولية لإجراء التحاليل أو الفحوصات قبل تأكيد التشخيص.

هذا الأمر قد يؤدي إلى تأخر في التوجه للعلاج، أو حتى التخلي عنه في بعض الحالات، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع الصحي للمريض.

من الناحية العلمية، ما طبيعة داء السل؟ وهل يقتصر فقط على الرئتين؟

داء السل هو مرض معدٍ تسببه بكتيريا تُعرف بعصية كوخ. ورغم أن الشكل الأكثر شيوعا هو السل الرئوي، إلا أن هذا المرض يمكن أن يصيب تقريبا أي عضو في جسم الإنسان.

فقد نلاحظ حالات تصيب العظام، أو الغدد اللمفاوية، أو الجهاز العصبي مثل أغشية الدماغ، أو الجهاز الهضمي، بل وحتى الجلد والعين. هذا التنوع في أماكن الإصابة يجعل المرض أكثر تعقيدا، ويتطلب درجة عالية من اليقظة الطبية، لأن الأعراض تختلف من حالة إلى أخرى.

هل يساهم هذا التنوع في تأخر التشخيص؟

بالفعل، لأن الأعراض المرتبطة بالسل خارج الرئة غالبا ما تكون غير نوعية، وقد تُشبه أمراضا أخرى، مما يجعل الطبيب في البداية يميل إلى تشخيصات مختلفة.

وفي كثير من الحالات، لا يتم التفكير في داء السل إلا بعد استبعاد أمراض أخرى، أو بعد إجراء تحاليل متقدمة مثل الفحوصات النسيجية.

هذا التأخر في التشخيص قد يؤدي إلى تطور المرض وإلحاق أضرار دائمة بالعضو المصاب، وهو ما يزيد من صعوبة العلاج لاحقا.

هل هناك تغير في نمط انتشار المرض؟

نعم، المعطيات الحديثة تشير إلى ارتفاع نسبة حالات السل خارج الرئة، حيث أصبحت تمثل أكثر من نصف الحالات المسجلة، هذا التحول يتطلب إعادة النظر في طرق التشخيص، وتعزيز تكوين الأطباء في مختلف التخصصات للتعرف على الأشكال غير التقليدية للمرض.

الأعراض قد تكون بسيطة في البداية، مثل حمى خفيفة، فقدان الشهية، نقص الوزن، تعب عام، أو تعرق ليلي. في حالة السل الرئوي، قد يظهر سعال مزمن مصحوب أحيانا بدم.

المشكل أن هذه الأعراض قد لا تثير القلق لدى الكثيرين، مما يؤدي إلى تأخر طلب الاستشارة الطبية. لذلك، من المهم رفع الوعي بضرورة التوجه إلى الطبيب عند استمرار هذه الأعراض لفترة.

داء السل مرض خطير إذا لم يتم تشخيصه وعلاجه في الوقت المناسب، لأنه يؤدي إلى تدمير تدريجي للأنسجة المصابة. وقد يسبب مضاعفات خطيرة مثل تلف دائم في الرئتين، أو فشل في بعض الأعضاء، أو حتى الوفاة في الحالات المتقدمة.

العلاج يعتمد على مجموعة من المضادات الحيوية التي تُؤخذ لفترة طويلة نسبيا، قد تمتد لعدة أشهر. ويختلف البروتوكول حسب نوع السل ومكان الإصابة.

نجاح العلاج مرتبط أساسا بمدى التزام المريض بتناول الأدوية بشكل منتظم ودون انقطاع. لأن التوقف المبكر قد يؤدي إلى ظهور سلالات مقاومة للأدوية، وهو ما يجعل العلاج أكثر تعقيدا وخطورة.

من بين المخاطر التي بدأت تثير الانتباه ما يعرف بالسل البقري، والذي يمكن أن ينتقل إلى الإنسان عبر استهلاك الحليب غير المعقم أو المنتجات الحيوانية غير الخاضعة للمراقبة الصحية. لذلك، من الضروري توخي الحذر في هذا الجانب.

 ما هي رسالتكم الختامية؟

الرسالة الأساسية هي أن داء السل لا يزال يمثل تحديا صحيا حقيقيا، ويتطلب تضافر جهود الجميع، سواء على مستوى الدولة من خلال تعزيز البنيات الصحية وتوفير الموارد، أو على مستوى المجتمع من خلال الوعي والوقاية.

كما أن التشخيص المبكر والالتزام بالعلاج يظلان العاملين الأساسيين للحد من انتشار المرض وتقليص مضاعفاته، وبالتالي حماية صحة الأفراد والمجتمع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى