بوشطارت لـ “إعلام تيفي”: الأمازيغية تحتاج إلى مؤسسات ودعم سياسي لتصبح لغة البحث العلمي

أميمة حدري

على مدى عقود، كانت اللغة الأمازيغية تدرس وتوثق غالبا من منظور خارجي، يركز على تسجيل اللهجات وحفظها من الاندثار، بعيدا عن استخدام الناس لها في حياتهم اليومية وسياقاتهم الثقافية والاجتماعية. غير أن العقدين الأخيرين شهدت فيهما المعرفة بالأمازيغية تحولات جوهرية، إذ توسعت مجالات البحث، وتعددت المناهج العلمية، وامتزجت التخصصات بين اللغوي والسوسيولوجي والأنثروبولوجي والتربوي والفني والثقافي، مع استفادة متزايدة من التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الحديثة.

ومع الاعتراف الدستوري بالأمازيغية سنة 2011، وبروز دور المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ودعم المجتمع المدني، أصبح إنتاج المعرفة بالأمازيغية لا يقتصر على دراستها فحسب، بل يشمل إنتاج المعرفة بالأمازيغية نفسها، لتصبح أداة علمية وإبداعية حية. في ظل هذه التحولات، يبقى السؤال المطروح، كيف يمكن للأمازيغية أن تتحول إلى لغة قادرة على إنتاج المعرفة بشكل مستدام ومؤثر في جميع المجالات العلمية والثقافية؟.

إشكالية التوزيع والنشر

في هذا السياق، اعتبر عبد الله بوشطارت، ناشط أمازيغي، أن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يؤدي مهامه المنصوص عليها في الظهير المؤسس له، محددا اختصاصاته ومسؤولياته في مجال البحث اللغوي والثقافي.

وأكد بوشطارت، في تصريح لـ “إعلام تيفي“، أن المعهد تمكن خلال السنوات الأخيرة من تحقيق تراكم معرفي مهم، حيث قام بجهود كبيرة في التهيئة وتقعيد اللغة وبناء المصطلح الأكاديمي، فضلا عن إنجاز أبحاث ودراسات ميدانية شملت مجالات اللغة والتاريخ والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والأدب والترجمة.

كما أشار عضو مجموعة الوفاء للبديل الأمازيغي، إلى إصدار المعهد معاجم وظيفية ومهنية غطت المصطلحات والكلمات المستخدمة في مختلف القطاعات الحيوية، وهو ما يمثل خطوة ملموسة نحو تعميق البحث الأكاديمي باللغة الأمازيغية وتوسيع نطاق استخداماتها.

ورغم هذه الإنجازات، أوضح بوشطارت أن التحدي الأكبر يكمن في نشر وتسويق هذا المخزون العلمي والأدبي والأكاديمي، حيث إن الدراسات والأبحاث القيمة التي تنتجها فرق البحث لا تصل إلى القراء في المدن والأقاليم والجهات المختلفة، ما يحد من تأثيرها ويساهم في حصرها ضمن فضاء المعهد.

وبحسب المتحدث، فإن إدارة المعهد مطالبة بوضع سياسة جديدة للتوزيع والنشر، تتضمن تنظيم ندوات وحلقات نقاش حول الدراسات والكتب الجديدة خارج مقر المؤسسة، بما يتيح للباحثين والقراء الاطلاع على هذه الإنتاجات العلمية وإثراء النقاش المعرفي في المجتمع.

المصطلح العلمي ليس العقبة الكبرى

وحول سؤال ما إذا كان غياب المصطلح العلمي يشكل عائقا أمام تعميم الأمازيغية في البحث الأكاديمي، اعتبر الناشط الأمازيغي أن المشكلة ليست في المصطلح ذاته، بل في غياب البنيات والمؤسسات التي تتيح للأمازيغية أن تكون حاضرة وفعالة في جميع القطاعات، وعلى رأسها التعليم المدرسي والجامعي.

وأوضح أن الأمازيغية لا تزال محدودة في التعليم الابتدائي، ومغيبة تقريبا في التعليم الإعدادي والثانوي، بينما توجد مسارات ضيقة جدا في الجامعات، ما يجعل الحديث عن التعميم والإنتاج العلمي بالغة الأمازيغية أمرا صعب التحقيق في غياب تعليمها على نطاق واسع.

واستشهد بواقع اللغة العربية بعد الاستقلال كمثال على كيفية ترسيخ لغة عبر التعليم والإعلام، مشيرا إلى أن مصطلحات مثل “حاسوب” أو “السيارة” لم تكن متداولة إلا بعد أن تم تعليمها وإدماجها في المناهج والفضاءات العامة.

وأكد بوشطارت أن أي لغة، مهما كانت، تتمتع بإمكانات علمية وأدبية واجتماعية، ويمكنها تحقيق وظائفها في مختلف المجالات إذا توفرت لها الشروط الضرورية من دعم سياسي ومؤسساتي، وهو ما شهدته لغات مثل الصينية واليابانية والعبرية التي أصبحت لغات قوة علمية وتكنولوجية وبحثية وصناعية.

في المقابل، أشار المتحدث إلى أن الأمازيغية في المغرب لم تحظ بعد بحقوقها الكاملة، وتم تهميشها من طرف الدولة، ما يجعل الأولويات المقبلة تتمثل في تعميم الأمازيغية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والإدارة والمجالات الثقافية والاجتماعية، وضمان دعمها السياسي والمؤسساتي بشكل مستمر، لتتحول من لغة رمزية إلى لغة إنتاج معرفي وإبداعي قادر على التأثير في مختلف مجالات الحياة الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى