ظاهرة “التشرميل”..حضور أمني فعال وغياب استباق اجتماعي وثقافي واقتصادي

بشرى عطوشي
تشهد عدة مدن مغربية في الآونة الأخيرة تصاعدًا لافتًا في حوادث الاعتداء بالسلاح الأبيض، وهي مشاهد لم تعد حبيسة الأزقة أو التقارير الأمنية، بل انتقلت بكثافة إلى الفضاء الرقمي عبر تسجيلات مصورة تصل إلى هواتف المواطنين بشكل يومي. هذا الانتشار البصري المكثف لم يعد يوثق فقط الجريمة، بل يضخم أثرها النفسي، حيث تتراوح ردود الفعل بين الخوف، والاشمئزاز، والعجز عن استيعاب هذا الانفلات السلوكي.
في قراءة أولية لهذه الظاهرة، يصعب اختزالها في سبب واحد. فالبعد التربوي يظل حاضرًا بقوة، إذ يشير عدد من المختصين إلى تراجع أدوار الأسرة والمدرسة في التأطير القيمي والسلوكي، مقابل صعود أنماط تنشئة هشة لا تؤسس لثقافة ضبط النفس واحترام القانون. غير أن هذا التفسير، رغم وجاهته، لا يكفي وحده لتفسير حجم العنف المسجل.
في المقابل، يبرز عامل المؤثرات الرقمية، حيث تلعب بعض المحتويات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي دورًا في تطبيع العنف، بل وتحويله إلى وسيلة لإثبات الذات أو فرض الهيمنة داخل الفضاء العام. هذا “التشجيع غير المباشر” يعزز لدى بعض الفئات، خاصة الشباب، نزعات الاندفاع والتقليد، في غياب وعي نقدي أو رقابة ذاتية.
كما تطرح فعالية العقوبات السالبة للحرية تساؤلات جدية، إذ يرى متتبعون أن السجن، بدل أن يكون فضاءً للإصلاح، قد يتحول في بعض الحالات إلى بيئة لإعادة إنتاج السلوك الإجرامي، من خلال الاحتكاك بنماذج أكثر تطرفًا. وهو ما يفسر، جزئيًا، ظاهرة العود المتكرر، حيث يعود بعض الجانحين إلى الشارع بسلوك أكثر عنفًا وتنظيمًا.
ورغم هذه التحديات، تسجل الأجهزة الأمنية المغربية حضورًا ميدانيًا مكثفًا، وتدخلات توصف في كثير من الأحيان بالقياسية من حيث السرعة والنجاعة، ما يساهم في الحد من تفاقم عدد من الحالات الخطيرة. غير أن هذا الجهد الأمني، مهما بلغ من الكفاءة، يظل محدود الأثر إذا لم يُدعَّم بمقاربة شمولية متعددة الأبعاد.
ذلك أن الظاهرة، في عمقها، تتقاطع فيها عوامل اجتماعية واقتصادية، من بطالة وتهميش حضري، إلى تفكك الروابط الاجتماعية وضعف الاندماج، فضلًا عن انتشار بعض الأنشطة غير المهيكلة التي تغذي اقتصاد الظل وتوفر بيئة خصبة للجنوح. كما أن تدفق بعض الأسلحة البيضاء عبر قنوات غير مضبوطة يطرح بدوره إشكالًا يستدعي تدخلًا جمركيًا وتنظيميًا أكثر صرامة.
مواجهة هذا المنحى التصاعدي للعنف تقتضي إعادة بناء تصور متكامل، لا يكتفي برد الفعل الأمني، بل يؤسس لاستباق اجتماعي وثقافي واقتصادي.
ويعد تعزيز التربية على القيم، وإعادة الاعتبار لدور المدرسة، وتأطير الفضاء الرقمي، وتطوير سياسات الإدماج الاقتصادي للشباب، كلها مداخل ضرورية لإعادة التوازن.
إن ما يظهر اليوم من مشاهد صادمة ليس مجرد انفلات عابر، بل مؤشر على اختلالات أعمق تستدعي معالجة جذرية. فإما أن يتم التعامل معها برؤية شاملة تستوعب تعقيداتها، أو أن تتحول إلى واقع يومي يهدد الإحساس الجماعي بالأمن ويضع المجتمع أمام تحديات أكثر حدة في المستقبل القريب.





