الغيلاني لـ “إعلام تيفي”: الشراكة مع روسيا تعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في بناء تحالفات متوازنة

أميمة حدري
تواصل المملكة المغربية وروسيا تعزيز شراكتهما الاستراتيجية من خلال اتفاقية شاملة للنقل الدولي للمسافرين والبضائع، تمثل خطوة مهمة في تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، في ظل الاضطرابات التي تشهدها سلاسل التوريد العالمية نتيجة الأزمات الإقليمية والدولية.
الاتفاقية، التي من المرتقب توقيعها على هامش المنتدى الدولي للنقل واللوجستيك المزمع عقده في مدينة سانت بطرسبورغ، يقود الوفد المغربي خلالها وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، على أن يوقعها نظيره الروسي أندريه نيكيتين.
ويأتي توقيع الاتفاق في وقت يولي فيه البلدان أهمية كبيرة لتوسيع الروابط التجارية والاقتصادية والسياسية، بما يعزز حركة المسافرين والبضائع بين المغرب وروسيا.
تحول نوعي في الشراكة المغربية الروسية
وفي قراءته لهذا الاتفاق، أكد الغالي الغيلاني، أستاذ العلوم القانونية بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن هذا الاتفاق يندرج ضمن زخم العلاقات المتنامية بين البلدين، والتي تقوم على الاحترام والتقدير المتبادل، وتستند إلى تقارب في الرؤى والمواقف تجاه عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وأوضح الغيلاني في تصريح لـ “إعلام تيفي” أن هذه الشراكة لا تقتصر على قطاع النقل أو المبادلات التجارية، بل تمتد لتشمل تنسيقا سياسيا ودبلوماسيا يعكس تقاربا في وجهات النظر، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها النظام الدولي.
وأبرز أن السياسة الخارجية للمملكة المغربية، كما رسم معالمها الملك محمد السادس، تقوم على مبدأ تنويع الشركاء وعدم حصر المجال الجيوسياسي في الفضاء المتوسطي أو الإفريقي، بل الانفتاح على قوى دولية وازنة، من بينها روسيا، التي تتمتع بثقل كبير على المستوى الدولي باعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن وتمتلك حق النقض، فضلا عن دورها المحوري في قضايا الطاقة وسلاسل الإمداد.
وأشار رئيس مركز الدبلوماسية الدولية، إلى أن هذا الاتفاق يكتسب أهمية خاصة في ظل الاضطرابات التي يشهدها العالم، سواء المرتبطة بالأزمة الأوكرانية أو التوترات في منطقة الشرق الأوسط، والتي أثرت بشكل مباشر على الأمن الطاقي والغذائي العالمي، وأفرزت تحديات مرتبطة بسلاسل التوريد.
وفي هذا السياق، اعتبر أن موسكو باتت تنظر إلى الرباط باعتبارها بوابة استراتيجية نحو إفريقيا، وشريكا موثوقا يتمتع بتجربة متقدمة في مجالات التنمية والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وبمكانة متميزة داخل الفضاء الإفريقي.
وسجل الغيلاني أن هذا التقارب بدأ ينعكس تدريجيا على موقف روسيا من قضية الصحراء المغربية، حيث لوحظ تطور ملحوظ في مواقف موسكو، من خلال مجموعة من المؤشرات العملية، من بينها استبعاد جبهة البوليساريو من القمة الروسية الإفريقية المنعقدة بالقاهرة في دجنبر 2025، واقتصار المشاركة على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، رغم الضغوط الجزائرية.
وبخصوص امتناع روسيا عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 2797، اعتبر الخبير والمستشار في مجال الدبلوماسية والاستراتيجية، أنه لا يعكس موقفا معاديا للمغرب، بل يرتبط بتحفظها على طريقة صياغة القرارات من قبل الولايات المتحدة، بصفتها حاملة القلم، مؤكدا في السياق ذاته أن موسكو سبق أن رفضت توسيع صلاحيات بعثة “المينورسو”، وهو ما ينسجم مع الطرح المغربي.
تطور المواقف الدبلوماسية لموسكو في سياق التقارب مع الرباط
وأضاف أن تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، التي أشادت بمبادرة الحكم الذاتي ووصفتها بالحل الواقعي والعملي، تشكل بدورها مؤشرا على هذا التقارب، إلى جانب التعاون الثنائي في مجالات استراتيجية، من بينها الصيد البحري، حيث تم تمديد اتفاق يسمح لروسيا بالصيد في المياه الأطلسية الجنوبية للمملكة، وهو ما يحمل دلالات سياسية واقتصادية تعكس اعترافا ضمنيا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
وفي تحليله للأبعاد الجيوسياسية لهذا الاتفاق، اعتبر الغيلاني في معرض تصريحه أن الدبلوماسية المغربية تعتمد مقاربة استباقية قائمة على تعدد الشراكات والتوازن في العلاقات الدولية، مع الالتزام بمبادئ احترام سيادة الدول وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، ورفض اللجوء إلى العنف، والاحتكام إلى القانون الدولي.
وأبرز المحلل السياسي أن المغرب انتقل من مرحلة العلاقات الدبلوماسية التقليدية الثنائية إلى مرحلة بناء شراكات استراتيجية مع قوى دولية متعددة، من بينها الولايات المتحدة وروسيا والصين ودول الخليج، في إطار نظام دولي متعدد الأقطاب.
وأكد أن هذا التوجه يعزز موقع المغرب كفاعل محوري في محيطه الإقليمي والدولي، وكشريك موثوق يساهم في جهود تسوية النزاعات وتعزيز الاستقرار، مستندا إلى تجربة متراكمة في الوساطة وحفظ السلام، سواء على المستوى الإفريقي أو في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك القضية الفلسطينية، التي تظل في صلب السياسة الخارجية للمملكة، من خلال دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وإقامة دولة مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وأشار إلى أن المقاربة المغربية في معالجة القضايا الدولية لا تقتصر على البعد الأمني أو العسكري، بل تشمل أيضا أبعادا اقتصادية وتنموية، بما يساهم في تحقيق الأمن والاستقرار بشكل مستدام، ومواجهة التحديات المرتبطة بالإرهاب والتطرف والحركات الانفصالية.
كما لفت إلى أن المغرب أبان عن قدرة على الحفاظ على توازن دقيق في علاقاته الدولية، كما يتجلى في موقفه من الأزمة الروسية الأوكرانية، حيث حرص على تبني موقف متزن يراعي مصالحه الاستراتيجية مع مختلف الشركاء.
وفي ما يتعلق بآفاق العلاقات المغربية الروسية، رجح المستشار السابق بديوان وزير الشؤون الخارجية، أن تعرف هذه الشراكة تطورا متسارعا خلال المرحلة المقبلة، من خلال تنزيل مشاريع مشتركة في مجالات النقل والتجارة والأمن الغذائي والطاقي، إلى جانب تعزيز التنسيق السياسي والدبلوماسي في القضايا الإقليمية والدولية.
وفي ختام تصريحه لـ “إعلام تيفي“، اعتبر أن هذا المسار سيسهم في ترسيخ شراكة قوية ومتوازنة قائمة على المصالح المشتركة والتفاهم، وسينعكس بشكل مباشر على مواقف موسكو من قضية الصحراء المغربية، التي تظل بالنسبة للمملكة قضية وجود وليست مجرد نزاع حدودي، وتشكل معيارا أساسيا لتقييم صدقية الشراكات الدولية.





