قطاع الصحة بين التهدئة والتوجس.. التزامات جديدة والنقابات تراقب التنفيذ

إعلام تيفي – بلاغ
يعيش قطاع الصحة بالمغرب على إيقاع توتر مهني متصاعد، تغذيه اختلالات مزمنة في تدبير الموارد البشرية وتراكم ملفات عالقة تتصل بالترقيات والتنقلات وظروف العمل، في سياق وطني يتسم بضغط متزايد على المنظومة الصحية وتنامي انتظارات المواطنين من خدمات عمومية أكثر جودة وإنصافاً. وبين متطلبات الإصلاح الهيكلي وإكراهات الواقع اليومي داخل المؤسسات الصحية، ظلت علاقة الشغيلة الصحية بالإدارة محكومة بحالة من الشد والجذب، تتراوح بين جولات من الحوار ومحطات من الاحتقان.
في هذا المناخ المشحون، يبرز بلاغ التنسيق النقابي الوطني بقطاع الصحة كإشارة لافتة على محاولة إعادة ترتيب العلاقة بين الطرفين، بعد اجتماع وُصف بالحاسم جمع ممثلي النقابات بمدير الموارد البشرية بوزارة الصحة وإدارة مجموعة الصحة الترابية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة. لقاء لم يكن عادياً في سياقه، بل جاء استجابة لتراكم من المطالب والانتظارات التي ظلت تبحث عن مخرج عملي داخل قطاع حساس.
ويكشف البيان، الصادر بتاريخ 31 مارس الماضي، عن تحول نسبي في منسوب التفاعل الرسمي مع هذه المطالب، حيث أفضت المفاوضات، التي امتدت لساعات، إلى جملة من الالتزامات التي توحي بوجود إرادة لاحتواء الأزمة وتفادي انزلاقها نحو مزيد من التصعيد. ومن أبرز هذه المؤشرات، التوافق على استمرار اللجان الإدارية متساوية الأعضاء في أداء مهامها، في خطوة تُفهم داخل الأوساط المهنية كضمانة للحفاظ على آليات التوازن والشفافية في تدبير ملفات الترقية والتأديب.
ويمتد هذا التوجه إلى التعجيل بتسوية عدد من الملفات العالقة، وفي مقدمتها الترقيات الإدارية والمالية، التي شكلت لسنوات مصدر توتر دائم داخل القطاع. كما يبرز تقدم ملموس في ملف تعويضات الحراسة، بعد الحسم فيها لفائدة مهنيي الصحة في انتظار صدور القرار المنظم، وهو ما يمنح الاتفاق بعداً عملياً يتجاوز مجرد الوعود إلى مؤشرات أولية على إمكانية التنزيل.
وفي السياق ذاته، يشير البلاغ إلى إعادة تنظيم الحركة الانتقالية داخل المجموعة الصحية، مع التأكيد على استكمال تنفيذ انتقالات داخل وخارج جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، بما يعكس توجهاً نحو معالجة الاختلالات المجالية في توزيع الموارد البشرية، وهي من بين الإشكالات البنيوية التي أثرت طويلاً على استقرار الأطر الصحية وعلى جودة الخدمات المقدمة.
وفي مقابل هذه المكتسبات، يبرز حرص واضح على تأطيرها بضمانات قانونية، خاصة في ما يتعلق بمساطر التأديب، حيث تم التأكيد على الالتزام بالمقتضيات المنصوص عليها في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، في محاولة لتفادي أي تأويلات قد تعيد إنتاج نفس أسباب الاحتقان، وتعزيز منسوب الثقة داخل القطاع.
غير أن هذا التقدم، رغم أهميته، يظل مشروطاً بمدى الالتزام الفعلي بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وهو ما التقطه البلاغ بوضوح من خلال تأكيد التنسيق النقابي على تتبع مخرجات الاجتماع، في إقرار ضمني بأن الإشكال في قطاع الصحة لم يكن يوماً في صياغة الاتفاقات بقدر ما كان في تعثر تنزيلها على أرض الواقع.
وبين مؤشرات التهدئة الحذرة واستمرار منسوب التوجس، يعود سؤال الثقة ليطرح نفسه بإلحاح: هل نحن أمام بداية انفراج حقيقي في علاقة الإدارة بالشغيلة الصحية، أم مجرد هدنة ظرفية تفرضها ضرورات المرحلة؟ الجواب، كما توحي به الوقائع، لن يُحسم في نصوص البلاغات، بل في كيفية ترجمتها إلى إجراءات ملموسة داخل المرافق الصحية خلال الفترة المقبلة.





