“تفوق المغرب” وواقع الفصول الدراسية.. الشجرة التي تخفي الغابة

بشرى عطوشي

تحليل _ في مشهد يكاد يختلط فيه العبث بالخطاب الرسمي، تم تداول إشاعة مفادها أن اليابان تسعى للاستفادة من “التجربة المغربية” في التعليم، عقب لقاء جمع وزيري التعليم في البلدين. إشاعة تبدو للوهلة الأولى مادة خصبة للنكتة أكثر منها خبراً قابلاً للتصديق، خصوصاً حين نصطدم بواقع الأرقام والتصنيفات الدولية التي تضع المغرب في مراتب متأخرة عالمياً من حيث جودة التعليم.

إن محاولة تسويق هذا الطرح لا تعكس فقط خللاً في التواصل المؤسساتي، بل تكشف عن نزعة متجذرة لدى بعض منظّري المنظومة التعليمية لتزييف الواقع بدل مواجهته. فبدل الاعتراف بالاختلالات البنيوية—من اكتظاظ الأقسام، إلى ضعف التكوين، إلى مناهج لا تواكب التحولات الرقمية—يتم اللجوء إلى صناعة “وهم التفوق” كآلية دفاعية متهالكة.

الأكثر إثارة للسخرية أن هذا الخطاب يأتي في وقت لا يزال فيه التلميذ المغربي يرزح تحت عبء محفظة مثقلة بكتب مدرسية متعددة، غالباً ما تتكرر مضامينها بصيغ مختلفة، في دورة إنتاج تدر أرباحاً ثابتة على دور النشر والمطابع، دون أن تنعكس بالضرورة على جودة التعلم. هنا يطرح سؤال مشروع: هل نحن أمام منظومة تعليمية أم سوق استهلاكية مقنّعة؟

في المقابل، تتجه أنظمة تعليمية رائدة نحو رقمنة المحتوى، وتبني أدوات التعلم الذكي، حيث تتحول اللوحات الإلكترونية إلى منصات تفاعلية، ويصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في بناء المسار التعليمي للتلميذ، لا مجرد شعار يستهلك في الخطب. أما في الحالة المغربية، فلا يزال هذا التحول يُطرح كترف أو مشروع مؤجل، رغم كلفته التي قد تكون أقل على المدى المتوسط مقارنة بسلسلة الطباعة السنوية.

اللقاءات الثنائية بين الدول لتبادل الخبرات أمر طبيعي ومطلوب، لكن تحويلها إلى مادة دعائية مضللة يسيء أكثر مما يخدم. فاليابان، التي بنت نموذجها التعليمي على الصرامة، الابتكار، وربط المدرسة بسوق المعرفة، لا تحتاج إلى استلهام تجربة تعاني أصلاً من اختلالات هيكلية عميقة. والأجدر، من باب الواقعية، أن يكون النقاش منصباً على كيفية الاستفادة من التجارب الناجحة، لا قلب المعادلة لإرضاء سردية داخلية مهترئة.

إن أخطر ما في هذه الإشاعات ليس طرافتها، بل قابليتها للترويج في بيئة تفتقر إلى الشفافية والمحاسبة. فحين يغيب التقييم الصريح، يُفسح المجال للخطاب الشعبوي، وحين يُقصى النقد الجاد، يصبح التهكم أداة من أدوات الحقيقة.

في النهاية، لا يحتاج التعليم المغربي إلى “أساطير تفوق”، بل إلى شجاعة الاعتراف، وجرأة الإصلاح، وقطع حقيقي مع منطق الريع التربوي الذي يحول المدرسة من فضاء للمعرفة إلى حلقة في سلسلة الربح. بدون ذلك، ستبقى كل إشاعة—مهما بلغت درجة سذاجتها—قابلة للتصديق لدى من اعتادوا تزيين الواقع بدل تغييره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى