عندما تلتقي السلطة بالسوق: من يحكم أسعار المحروقات فعلياً؟ (فيديو)

بشرى عطوشي

كشف الإعلامي اللامع أشرف بلمودن، في فيديو أخير على قناته “إعلام تيفي”، الفوارق الصارخة بين الإصلاح ومدى مراوغة الحكومة في تدبير قطاع المحروقات والغموض الذي يكتنف الدعم في هذا الصدد، هي أمور تحيلنا على أن هناك خلل لا بل ما يسمى الضحك على الأذقان، بحيث يتبين بأن الحكومة التي يرأسها عزيز أخنوش المالك المخضرم لقطاع المحروقات، تريد فقط من خلال ما اعلنت عنه من دعم ان تكبح فقط صوت الفاعلين في قطاع النقل، بدل البحث عن حلول جذرية لدعم المواطن الذي مسته نيران الغلاء في كل مكان حل وارتحل.

ففي مشهد يختزل تناقضاً صارخاً، يظهر مسؤول حكومي في موقع الدعوة إلى خفض أسعار المحروقات، في وقت يطرح فيه الرأي العام سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن لمن يوجد في قلب القرار السياسي أن يكون، في الآن ذاته، جزءاً من المنظومة الاقتصادية المعنية بهذه القرارات؟

ليست القضية هنا مرتبطة بشخص بقدر ما هي مرتبطة بوظيفة وموقع. غير أن حساسية الملف تكمن في كون قطاع المحروقات لا يُعدّ مجرد نشاط تجاري عادي، بل يمثل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، حيث تتقاطع فيه مصالح كبرى، وهوامش ربح مرتفعة، وتأثير مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين.

الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن “طلب” خفض الأسعار يثير مفارقة جوهرية: هل نحن أمام حكومة  تمارس دورها التنظيمي الكامل، أم أمام سلطة تكتفي بإشارات سياسية في سوق تُدار بمنطق مختلف؟
في هذا السياق، يصبح السؤال مشروعاً: أين تنتهي حدود المسؤولية العمومية، وأين تبدأ المصالح الاقتصادية؟

إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود فاعلين اقتصاديين كبار داخل السوق، بل في مدى وضوح العلاقة بينهم وبين مراكز القرار. فحين يغيب هذا الوضوح، تتآكل الثقة، وتُفتح أبواب التأويل، ويتحول النقاش من اقتصادي إلى أخلاقي وسياسي.

تقارير سبق أن أشارت إلى اختلالات في بنية السوق، وهو ما يعزز الحاجة إلى شفافية أكبر، ليس فقط في تحديد الأسعار، بل في كشف تداخل المصالح المحتمل.

في الأنظمة التي ترسخ قواعد الحكامة الجيدة، لا يُترك هذا النوع من الأسئلة دون جواب. بل يتم اللجوء إلى:

– التصريح العلني بالمصالح
– إرساء آليات صارمة لتفادي تضارب المصالح
– وتمكين هيئات الرقابة من صلاحيات حقيقية

أما حين يغيب هذا الإطار، فإن أي دعوة لخفض الأسعار قد تُفهم، في نظر الرأي العام، على أنها خطاب بلا أدوات، أو موقف لا ينفصل عن سياق أوسع من التداخل بين السلطة والثروة.

في المحصلة، لا يتعلق الأمر باتهام بقدر ما هو مساءلة مشروعة:
هل نحن أمام سوق حرة فعلاً، أم أمام بنية اقتصادية تحتاج إلى إعادة ضبط تضمن وضوح الأدوار وفصل المصالح؟

سؤال قد يبدو بسيطاً، لكنه في عمقه يحدد شكل العلاقة بين الدولة والمواطن… ومن يتحكم فعلياً في مفاتيح الأسعار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى