المثقف والسياسي..من يقود الرأي العام في زمن المنصات الرقمية؟

فاطمة الزهراء ايت ناصر
يشهد النقاش العمومي في العصر الرقمي تحولا عميقا أعاد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة من يقود الرأي العام اليوم المثقف أم السياسي أم المنصة ذاتها بما تحمله من خوارزميات وقدرة على توجيه الانتباه.
لم يعد المجال العام محكوما فقط بالصحف والندوات والبرلمان بل أصبح فضاء مفتوحا تتحرك فيه الأفكار بسرعة غير مسبوقة وتتنافس فيه الخطابات على جذب التفاعل قبل إقناع العقول.
دراسات حديثة في حقل العلوم السياسية تؤكد أن مفهوم القيادة نفسه تغير في البيئة الرقمية، ففي مقال بعنوان “Digital leaders: political leadership in the digital age” المنشور في منصة Frontiers in Political Science يوضح الباحثان F. Ramón Villaplana وJasmin Fitzpatrick أن القائد السياسي في العصر الرقمي لم يعد يعتمد فقط على الخطاب المؤسسي بل بات مطالبا بإتقان أدوات التفاعل المباشر عبر المنصات الاجتماعية. فالحضور الرقمي لم يعد خيارا تكميليا بل أصبح جزءا من صناعة الشرعية السياسية وبناء القرب مع الجمهور.
وفي افتتاحية علمية بعنوان “Leadership, politics and society in the digital age” على المنصة نفسها يشير الباحثان إلى أن المنصات الرقمية أعادت تشكيل العلاقة بين القادة والمواطنين عبر خلق تواصل ثنائي الاتجاه.
لم يعد الجمهور متلقيا سلبيا بل فاعلا يعلّق ويشارك ويضغط، وهو ما يجعل السياسي في حالة تفاعل دائم مع المزاج العام. غير أن هذا التفاعل اللحظي قد يدفع أحيانا إلى اختزال القضايا المعقدة في رسائل سريعة تستجيب لإيقاع المنصة أكثر مما تستجيب لعمق الإشكال.
في المقابل تكشف مراجعة علمية بعنوان “Public Opinion Formation in the Digital Age: A Review of Literature” أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مصدرا رئيسيا لتكوين الرأي العام، متجاوزة في كثير من الأحيان الإعلام التقليدي.
الدراسة تؤكد أن الأفراد لم يعودوا يستهلكون المعلومة فقط بل يشاركون في إنتاجها وإعادة توزيعها، ما يعني أن عملية تشكيل الرأي لم تعد مركزية بل شبكية تتوزع بين فاعلين متعددين.
أبحاث أخرى مثل دراسة Giulia Tucci حول تحديد قادة الرأي داخل شبكات Telegram تشير إلى بروز ما يمكن تسميته بقادة الرأي الرقميين، وهم أفراد لا يشغلون مناصب رسمية لكنهم يمتلكون قدرة كبيرة على التأثير داخل مجتمعات افتراضية مغلقة.
هذا المعطى يعزز فكرة أن السلطة الرمزية لم تعد حكرا على المثقف الكلاسيكي أو السياسي المنتخب بل يمكن أن تتشكل داخل فضاءات رقمية موازية.
من جهة أخرى حذرت تقارير صحفية وتحقيقات في منابر دولية مثل The Washington Post من أن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل قد يعمق الاستقطاب ويغير تصورات الأفراد حول الديمقراطية والمؤسسات، ما يعني أن المنصات لا تنقل الرأي العام فقط بل تساهم في إعادة تشكيله أحيانا وفق منطق الخوارزمية والتفاعل السريع.
أمام هذا المشهد المعقد لا يبدو أن هناك فاعلا واحدا يحتكر قيادة الرأي العام، المثقف ما زال يمتلك أدوات التحليل والعمق لكنه مطالب بتجديد أساليبه في التواصل، والسياسي اكتسب قدرة أكبر على الوصول المباشر إلى الجمهور لكنه يواجه إغراء الشعبوية الرقمية، أما المنصة فقد أصبحت وسيطا قويا يصنع الإيقاع ويحدد ما يُرى وما يُهمل.
النتيجة أن الرأي العام في زمن المنصات الرقمية لم يعد نتاج سلطة واحدة بل حصيلة تفاعل مستمر بين المعرفة والسياسة والتكنولوجيا. والتحدي الحقيقي لا يكمن في تحديد من يقود بقدر ما يكمن في ضمان أن يظل النقاش العمومي قائما على الوعي والنقد والمسؤولية في فضاء سريع التحول
ففي فضاء تحكمه السرعة وتتصدره الخوارزميات لم يعد تشكيل المواقف يمر عبر المسارات التقليدية ذاتها التي عرفتها المجتمعات لعقود طويلة حيث كان المثقف يكتب في الصحف ويؤطر في الجامعات ويؤثر عبر الكتب والندوات بينما يتحرك السياسي داخل الأحزاب والبرلمان واللقاءات الجماهيرية.
التحول الرقمي أعاد رسم خريطة التأثير بشكل عميق فاليوم يكفي منشور مقتضب أو مقطع فيديو قصير ليصنع موجة تفاعل واسعة قد تسبق أي تحليل رصين أو معطيات مكتملة.
هذا الواقع منح السياسيين فرصة غير مسبوقة للوصول المباشر إلى المواطنين دون وساطة إعلامية تقليدية وجعل من المنصات فضاء لقياس المزاج العام بشكل لحظي. غير أن هذا القرب الرقمي لا يخلو من مخاطر إذ قد يغري بتبسيط القضايا المعقدة أو توجيه الخطاب نحو ما يحقق التفاعل بدل ما يخدم النقاش المسؤول.
في المقابل وجد المثقف نفسه أمام تحد مزدوج، فمن جهة تراجعت سلطة المقال الطويل والتحليل المتأني أمام ثقافة الصورة والاختصار ومن جهة أخرى أصبح مطالبا بإعادة صياغة حضوره بلغة رقمية قادرة على الوصول إلى جمهور أوسع دون التفريط في العمق والمنهجية.
لم يعد يكفي امتلاك المعرفة بل صار ضروريا امتلاك أدوات إيصالها في فضاء تنافسي شديد الازدحام، وهنا تتجلى مفارقة لافتة إذ إن المثقف الذي كان يحتكر تفسير الأحداث بات ينافس أصواتا متعددة بعضها متخصص وبعضها الآخر يكتفي بالانطباع.
هذا التحول لم يؤد إلى إقصاء أحد بقدر ما أعاد توزيع الأدوار داخل المجال العمومي، فالرأي العام لم يعد يُصاغ من موقع واحد بل يتشكل من تفاعل مستمر بين فاعلين متنوعين من سياسيين ومثقفين وصحفيين وصناع محتوى ومواطنين عاديين.
غير أن اتساع دائرة التعبير ترافق مع تحديات واضحة مثل انتشار الأخبار الزائفة وتصاعد الاستقطاب وظهور فقاعات رقمية تعزز القناعات المسبقة بدل أن تفتح أفق النقاش.
في ظل هذا المشهد يصبح السؤال الحقيقي ليس من يقود الرأي العام بل كيف يُقاد وبأي أدوات وبأي مسؤولية، فالمجتمع الذي يوازن بين حرية التعبير ومتطلبات الدقة ويمنح مساحة للصوت النقدي الرصين هو القادر على تحويل المنصات الرقمية من ساحة ضجيج إلى فضاء نقاش عمومي ناضج.
وبين المثقف الذي يسعى للحفاظ على عمق الفكرة والسياسي الذي يبحث عن توسيع التأثير يبقى الرهان معلقا على وعي جماعي يدرك أن قوة الرأي العام لا تقاس بعدد المتابعين فقط بل بقدرته على بناء مواقف مبنية على المعرفة والحوار.





