منطق السوق يبرئ الجميع.. فمن المسؤول عن استنزاف القدرة الشرائية؟

أميمة حدري
يفرض الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، وعلى رأسها الخضر والفواكه، نقاشا متجددا حول حدود تفسير الغلاء بمنطق العرض والطلب، في سياق تتداخل فيه عدة عوامل بنيوية وهيكلية تتجاوز القراءة الكلاسيكية للسوق.
بين كلفة الإنتاج التي تعرف بدورها تصاعدا ملحوظا، وارتفاع أسعار المحروقات، وتعقيدات مسالك التوزيع، يجد المستهلك المغربي نفسه في موقع المتلقي النهائي لفاتورة متعددة الأوجه، دون أن تتضح بشكل دقيق الجهات التي تتحمل المسؤولية الفعلية عن هذا الوضع.
ويكشف تتبع دينامية الأسعار داخل الأسواق الوطنية أن الإحالة المستمرة على “منطق السوق” كآلية وحيدة لتفسير التقلبات، باتت تثير تساؤلات حول مدى كفاية هذا التبرير في ظل اختلالات واضحة تطبع سلسلة القيمة من الإنتاج إلى الاستهلاك. فالتقلبات الحادة في الأسعار، حتى في فترات الوفرة، تعكس وجود حلقات وسيطة تتحكم في مسارات التسويق، ما يطرح إشكالية شفافية تحديد الأسعار ومدى خضوعها لقواعد المنافسة السليمة.
زفي المقابل، يبرز عامل المحروقات كأحد المحددات المؤثرة في كلفة النقل، غير أن وزنه الحقيقي في تحديد الأسعار النهائية يظل محل نقاش، بالنظر إلى محدودية تأثيره مقارنة بعوامل أخرى، من بينها تعدد الوسطاء وغياب تنظيم محكم للأسواق.
كما أن استمرار الدعم الموجه لبعض مهنيي النقل لم ينعكس بشكل واضح على استقرار الأسعار، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مرتبطة بفعالية آليات الدعم وطرق تنزيلها على أرض الواقع.
ويزيد من تعقيد الوضع غياب منظومة حكامة قوية قادرة على ضبط التوازن داخل هذا القطاع، خاصة في ظل تحرير أسعار المحروقات، وما ترتب عنه من تقلبات غير متحكم فيها. فالمقارنة مع قطاعات أخرى تتوفر على هيئات تقنين ومراقبة فعالة، تبرز الفراغ المؤسساتي الذي يطبع سوق المحروقات، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على باقي القطاعات المرتبطة به، وعلى رأسها النقل والمواد الغذائية.
كما تطرح البنية الضريبية المطبقة على المحروقات إشكالات إضافية، بالنظر إلى وزنها الكبير في السعر النهائي، وهو ما ينعكس بدوره على مختلف سلاسل الإنتاج والتوزيع. وفي غياب إجراءات موازية للتخفيف من هذا العبء، يظل تأثيرها ممتدا إلى القدرة الشرائية للأسر، التي تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة تآكل الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأمام هذا الوضع، يبدو أن تحميل المسؤولية لمنطق السوق وحده لم يعد كافيا لتفسير ما يجري، في ظل تعدد المتدخلين وتداخل المصالح، وهو ما يستدعي إعادة النظر في منظومة تدبير هذا القطاع برمتها. فتعزيز آليات المراقبة، وإرساء قواعد شفافة لتحديد الأسعار، وإعادة تقييم سياسات الدعم والجباية، تبقى عناصر أساسية لإعادة التوازن إلى السوق وضمان حماية القدرة الشرائية للمواطنين.





