إصلاح التعليم على المحك.. أساتذة التعليم الأولي خارج الاستقرار المهني

حسين العياشي
يفتح سؤال برلماني جديد للمستشار خالد السطي عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، ملفاً اجتماعياً وتربوياً بالغ الحساسية، يتعلق بوضعية أساتذة التعليم الأولي، في لحظة تتسارع فيها وتيرة تعميم هذا الورش باعتباره أحد أعمدة إصلاح منظومة التربية والتكوين، لكن دون أن يواكب ذلك، وفق متتبعين، استقرار مهني يليق بالفئة التي تضطلع بتنزيله على أرض الواقع.
ويأتي هذا التحرك البرلماني في سياق يتسم بتوسيع حضور التعليم الأولي عبر مختلف مناطق المملكة، حيث أصبح هذا المستوى التعليمي يشكل رهاناً استراتيجياً للدولة من أجل تقليص الفوارق وضمان تكافؤ الفرص بين الأطفال منذ المراحل الأولى. غير أن هذا التوسع، رغم أهميته، كشف في المقابل عن اختلالات بنيوية تمس الوضعية المهنية لأساتذة التعليم الأولي، الذين يشتغلون في غالبيتهم خارج إطار الوظيفة العمومية، من خلال شراكات مع جمعيات أو مؤسسات وسيطة.
ويثير هذا النموذج، كما يعكسه سؤال السطي، إشكالات متعددة تتعلق بطبيعة العقود التي تربط هؤلاء الأساتذة بمشغليهم، حيث تغيب في كثير من الحالات ضمانات الاستقرار المهني، كما يظل الولوج إلى الحقوق الاجتماعية والمهنية، من تغطية صحية وتقاعد وتعويضات، محدوداً أو غير منتظم، وهو ما يضع هذه الفئة في وضعية هشاشة لا تنسجم، بحسب عدد من الفاعلين، مع الدور الحيوي الذي تؤديه داخل المنظومة التربوية.
وفي هذا السياق، يسائل المستشار البرلماني وزارة التربية الوطنية حول تقييمها الرسمي لهذه الوضعية، في ظل تزايد الأصوات المطالبة بإنصاف أساتذة التعليم الأولي، واعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من الجسم التربوي، خاصة وأنهم يشتغلون في مرحلة حاسمة من بناء شخصية المتعلم وتنمية مهاراته الأساسية.
كما يسلط السؤال الضوء على الحاجة إلى إجراءات ملموسة لتحسين أوضاع هذه الفئة، سواء عبر مراجعة نمط التعاقد المعتمد حالياً أو من خلال إرساء آليات تضمن الحد الأدنى من الاستقرار المهني والحماية الاجتماعية، بما ينسجم مع طبيعة المهام التربوية التي يضطلعون بها.
ويذهب السطي أبعد من ذلك، حين يطرح إشكالية الإطار القانوني المؤطر لوضعية أساتذة التعليم الأولي، داعياً إلى التفكير في إمكانية إدماجهم ضمن الوظيفة العمومية أو، على الأقل، إقرار نظام أساسي خاص يوفر لهم ضمانات واضحة في ما يتعلق بالأجور والترقية والحماية الاجتماعية، بما ينهي حالة “المنطقة الرمادية” التي يشتغلون داخلها حالياً.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة سؤال التوازن بين توسيع العرض التربوي وضمان جودة الموارد البشرية، إذ يرى متابعون أن أي إصلاح حقيقي للتعليم الأولي يظل رهيناً بتحسين وضعية الأساتذة العاملين به، باعتبارهم الحلقة المركزية في نجاح هذا الورش، لا مجرد عنصر تنفيذي في منظومة تدبيرية تقوم على منطق الشراكات.
وفي ظل هذا الجدل، تبدو الحكومة أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرتها على الانتقال من منطق تعميم الخدمات إلى منطق تأمين شروط استدامتها، عبر الاستثمار في العنصر البشري وتوفير بيئة مهنية مستقرة ومحفزة، خاصة في قطاع يُعد المدخل الأساسي لبناء مسار تعليمي متكامل.
وبين رهانات الإصلاح وحدود الواقع، يظل ملف أساتذة التعليم الأولي مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين الإبقاء على الوضع القائم مع بعض التحسينات الجزئية، أو التوجه نحو إصلاح أعمق يعيد تعريف موقع هذه الفئة داخل المنظومة التربوية، بما يضمن لها الاعتراف المهني والاستقرار الاجتماعي الذي يوازي حجم الأدوار المنتظرة منها.





