أتعاب العدول ..تحول الزواج من محطة رمزية إلى مشروع مالي مثقل بالتكاليف

بشرى عطوشي

تحليل_ تصاعد مطالب مراجعة الأتعاب داخل العدول بالمغرب يعيد فتح ملف حساس ظل لسنوات خارج النقاش العمومي: كلفة الزواج بالنسبة للفئات الهشة.

فبينما ينحصر الجدل رسمياً في إعادة التوازن لمداخيل المهنة، يتسلل سؤال اجتماعي أعمق إلى الواجهة: ماذا لو امتدت هذه المراجعة، ولو بشكل محدود، إلى عقود الزواج؟

في البيئات محدودة الدخل، يتحول الزواج من محطة رمزية إلى مشروع مالي مُثقل بالتكاليف المتراكمة. تبدأ الضغوط من الالتزامات الأساسية كالمهر، وتمر عبر تجهيز المسكن، وتأمين فضاء بسيط لإتمام المراسم، وصولاً إلى المصاريف المرتبطة بالإجراءات القانونية. ضمن هذا المسار، يبرز عقد الزواج كخدمة مفروضة لا يمكن تجاوزها، ما يجعل أي تعديل في أتعابه—مهما بدا طفيفاً—قابلاً لأن ينعكس مباشرة على قدرة هذه الفئات على إتمام الزواج من الأصل.

المعطيات الميدانية تشير إلى أن الأسر الفقيرة تعتمد غالباً على تقليص التكاليف إلى الحد الأدنى، حيث يتم الاستغناء عن كثير من مظاهر الاحتفال، لكن لا يمكن تجاوز المصاريف القانونية والإدارية. هنا تحديداً تبرز حساسية أي مراجعة محتملة، لأن عقد الزواج ليس خدمة اختيارية بل شرط قانوني لا غنى عنه، يخضع لإشراف وزارة العدل المغربية.

اقتصادياً، حتى زيادة محدودة في أتعاب التوثيق يمكن أن تخلق “أثر عتبة” لدى الفئات الهشة: أي تلك النقطة التي تتحول فيها كلفة إضافية صغيرة إلى عائق حقيقي، خاصة عندما تتزامن مع ارتفاع أسعار مواد أساسية وتكاليف السكن. هذا الأثر لا يظهر في الطبقات المتوسطة أو الميسورة، لكنه يصبح حاسماً لدى من يدبرون زواجهم بميزانيات ضيقة، غالباً عبر الاقتراض العائلي أو الادخار طويل الأمد.

في المقابل، يدافع مهنيون عن ضرورة مراجعة التعريفة باعتبارها جزءاً من إصلاح أوسع، يشمل الرقمنة وتحسين جودة الخدمات. غير أن هذا الطرح يصطدم بخصوصية عقد الزواج، الذي يحمل بعداً اجتماعياً يتجاوز منطق السوق. لذلك، يطرح ضمنياً خيار “التمييز الإيجابي” داخل التعريفة نفسها: الإبقاء على أتعاب منخفضة أو مدعمة لعقود الزواج، مقابل تحرير أكبر لأتعاب العقود ذات القيمة المالية المرتفعة.

المفارقة أن النقاش حول أتعاب العدول يكشف فجوة أعمق في السياسات الاجتماعية المرتبطة بالزواج. فغياب آليات دعم مباشرة للشباب، سواء عبر تحفيزات مالية أو تخفيف الرسوم، يجعل أي تعديل مهني يتحول بسرعة إلى قضية رأي عام. وهو ما يفسر الحذر المؤسساتي في التعاطي مع هذا الملف، خشية أن يُفهم كإضافة عبء جديد على فئة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية.

عملياً، يظل السيناريو الأكثر واقعية هو الحفاظ على كلفة عقد الزواج في حدها الأدنى، أو تعديلها بشكل رمزي لا يغير من معادلة الولوج إلى الزواج. لكن مجرد طرح هذا الاحتمال اليوم يعكس تحوّلاً في زاوية النظر: من نقاش مهني صرف إلى نقاش يمس التوازن الاجتماعي، حيث يصبح سؤال الأتعاب جزءاً من سؤال أكبر حول الحق في الزواج بتكلفة معقولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى