رقمنة الصيد البحري ..واجهتان بحريتان وسوق خارج الرقابة الرقمية الشفافة

بشرى عطوشي

تحليل _ ليست أزمة أسعار السمك في المغرب قدراً طبيعياً بقدر ما هي نتيجة اختلالات متراكمة داخل سلسلة توزيع طويلة ومعتمة، حيث يضيع الفرق بين ثمن البيع في الميناء وسعر العرض للمستهلك داخل متاهة من الوسطاء وضعف التتبع. ورغم أن البلاد اختارت منذ سنوات مسار التحول الرقمي في عدة قطاعات، إلا أن أسواق السمك ظلت خارج هذا التحول العميق، ما يطرح سؤال الإرادة قبل الإمكانيات.

واقع الحال يكشف أن الرقمنة في قطاع الصيد البحري لم تتحول بعد إلى أداة حقيقية لإعادة ضبط السوق، بل بقيت في حدود المبادرات الجزئية التي لم تمس جوهر الإشكال. فبينما يتولى المكتب الوطني للصيد الإشراف على تنظيم عمليات التفريغ والبيع داخل عدد من الموانئ، فإن غياب تعميم أنظمة رقمية شفافة لتتبع الكميات والأسعار يترك المجال مفتوحاً أمام تضخم هوامش الربح وتعدد قنوات التسويق غير المراقبة.

الخلل لا يكمن فقط في غياب الوسائل التقنية، بل في ضعف الإرادة الحكومية من حيث الجودة والفعالية. فالإصلاح الرقمي، حين يكون حقيقياً، لا يكتفي بإطلاق منصات أو إعلان مشاريع، بل يفرض نفسه على أرض الواقع عبر قرارات واضحة تقطع مع الريع وتحد من نفوذ الوسطاء. غير أن ما يحدث هو العكس: تردد في الحسم، وتدرج مفرط يتحول عملياً إلى تأجيل، وغياب لرؤية تضع مصلحة المستهلك في قلب المنظومة.

الصحافة، باعتبارها سلطة رابعة، تجد نفسها أمام مسؤولية مضاعفة في كشف هذه المنطقة الرمادية. فحين يُباع السردين بأثمان زهيدة عند التفريغ ثم يقفز إلى أضعافها في الأسواق، فإن السؤال لم يعد تقنياً بل سياسياً بامتياز: من يحمي هذا الفارق؟ ومن يستفيد من بقاء السوق خارج الرقابة الرقمية الصارمة؟

الأمر لا يتعلق فقط بالشفافية، بل أيضاً بثقة المواطن. فاستمرار الفجوة بين الخطاب الرسمي حول الرقمنة والواقع اليومي داخل الأسواق يكرس شعوراً بأن الدولة لا تبذل الجهد الكافي للتواصل مع المواطنين ولا لإشراكهم في فهم الصعوبات الحقيقية للإصلاح. غياب هذا التواصل يفتح الباب أمام التأويلات، ويغذي فقدان الثقة في جدية التحولات المعلنة.

في المقابل، تجارب دولية أظهرت أن رقمنة سلاسل الإنتاج والتوزيع قادرة على خفض الأسعار وتحقيق عدالة أكبر في السوق، شريطة توفر إرادة سياسية حازمة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والانفتاح على الفاعلين بدل الاكتفاء بإدارة الملف من أعلى. أما الاستمرار في المقاربة الحالية، القائمة على التدرج غير المحكوم، فيعني ببساطة إطالة عمر الاختلالات نفسها.

رقمنة الصيد البحري ليست ترفاً تقنياً، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية. هي المدخل الوحيد لتقليص الفوارق، وضمان وصول الثروة البحرية إلى المواطن بثمن عادل، وإعادة التوازن بين المنتج والسوق. لكن هذه الرقمنة، لكي تزيح الغمام فعلاً عن الواجهتين البحريتين، تحتاج قبل كل شيء إلى إرادة حكومية واضحة، جريئة، ومتواصلة مع المواطنين، لا تكتفي بإدارة الأزمة بل تسعى إلى حلها من جذورها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى