الهجرة المغربية بإسبانيا بين نيران العنصرية والتوظيف السياسي للأحزاب المعارضة للهجرة

بشرى عطوشي
تحليل _ تشهد الساحة الإسبانية في الآونة الأخيرة تصاعداً في النقاش العمومي حول ملف الهجرة، خصوصاً مع تكرار حوادث اعتداءات فردية يُشتبه في تورط مهاجرين فيها، من بينهم بعض القادمين من دول المغرب العربي. غير أن قراءة هذه الوقائع خارج سياقها الاجتماعي والقانوني، وتحويلها إلى قاعدة عامة، يفتح الباب أمام موجات من التوتر السياسي والاحتقان الاجتماعي الذي يتجاوز حدود الحدث نفسه.
في هذا السياق، برزت أصوات سياسية وإعلامية من داخل بعض الأحزاب المعارضة لسياسات الهجرة، استغلت هذه الحوادث لتكثيف خطابها الرافض للمهاجرين، مقدمة إياها كدليل على “فشل الاندماج” أو “تهديد أمني”، رغم أن المعطيات الرسمية في الغالب تشير إلى أن هذه الأحداث تبقى معزولة وغير قابلة للتعميم.
وتأتي بعض التوترات الرمزية، مثل الشعارات التي رفعت خلال مباراة كرة القدم بين منتخب مصر و إسبانيا، لتزيد من حدة الاحتقان، حيث يتم توظيفها سياسياً وإعلامياً خارج إطارها الرياضي، مما يساهم في تأجيج مشاعر سلبية تجاه الجاليات الأجنبية، وعلى رأسها الجالية المغربية.
لكن من المهم التذكير أن الجالية المغربية في إسبانيا تمثل واحدة من أكبر الجاليات الأجنبية وأكثرها استقراراً، وقد ساهمت عبر عقود في قطاعات حيوية مثل البناء، الفلاحة، الخدمات، والصناعة، وأسهمت بشكل مباشر في دعم الاقتصاد الإسباني، خاصة خلال فترات النمو الاقتصادي وأزمات نقص اليد العاملة.
إن اختزال هذه الجالية الواسعة في أفعال أفراد محدودين يشكل خطراً حقيقياً على التعايش الاجتماعي، ويفتح المجال أمام الخطابات الشعبوية التي تعتمد على تضخيم الاستثناءات وتحويلها إلى قاعدة. وهنا تكمن خطورة التوظيف السياسي لهذه الحوادث، حيث تتحول الوقائع الجنائية – مهما كانت طبيعتها – إلى أدوات تعبئة انتخابية.
في المقابل، لا يمكن أيضاً تجاهل أن احترام القانون هو الأساس الذي يحمي الجميع، سواء من المواطنين أو المهاجرين، وأن أي سلوك إجرامي فردي يجب أن يُعالج في إطاره القضائي دون ربطه بالهوية الأصلية أو الجنسية. فالقانون لا يعرف الانتماء، بل يعرف المسؤولية الفردية.
كما أن الجالية المغربية، التي لطالما عُرفت بسعيها إلى الاستقرار والعمل الشريف، تجد نفسها اليوم أمام تحدي مزدوج يعتمد على الحفاظ على صورتها الجماعية من جهة، والتمييز بين من يلتزم بالقانون ومن يسيء إليها من جهة أخرى، وهي معادلة دقيقة تتطلب وعياً مجتمعياً وإعلامياً يرفض التعميم ويقاوم الاستغلال السياسي.
ويبقى التعايش في المجتمعات المتعددة الثقافات مسؤولية مشتركة، لا تتحملها فئة واحدة. ولأن أي انحراف فردي لا يجب أن يشوه صورة جماعة بأكملها، فإن حماية السلم الاجتماعي تتطلب خطاباً عقلانياً يرفض التعميم، ويواجه في الوقت نفسه كل أشكال الجريمة دون انتقائية أو استغلال سياسي.





