العزوبة في المغرب.. تحولات اجتماعية عميقة وخطاب سياسي خارج السياق

بشرى عطوشي

تسارع وتيرة العزوبة وارتفاع سنّ الزواج في المغرب لم يعد مجرد تحول اجتماعي عابر، بل أصبح مؤشرًا دقيقًا على خلل بنيوي يمسّ عمق التوازنات الاقتصادية والثقافية داخل المجتمع، كما تعكسه بوضوح تقارير المندوبية السامية للتخطيط. هذا التحول لا يمكن قراءته فقط من زاوية الأرقام، بل من خلال سياق أوسع يتداخل فيه الاقتصادي بالثقافي، والسياسي بالاجتماعي.

الطفرة في العزوبة ترتبط أولًا بعامل حاسم: كلفة العيش. لم يعد الزواج قرارًا عاطفيًا بقدر ما أصبح مشروعًا اقتصاديًا معقدًا، يتطلب قدرة على تأمين السكن، وتحمل تكاليف الاستهلاك، ومواجهة تضخم غير معلن في متطلبات “الحياة الزوجية المقبولة اجتماعيًا”. هذا التحول جعل فئات واسعة من الشباب تؤجل أو تلغي فكرة الزواج، ليس اختيارًا بل اضطرارًا.

في المقابل، ساهم تمديد سنوات الدراسة، خصوصًا لدى النساء، في إعادة ترتيب الأولويات، حيث أصبح الاستقرار المهني شرطًا سابقًا على الاستقرار الأسري.

لكن ما يثير الانتباه أكثر هو غياب هذا التحول عن صلب النقاش السياسي، الأحزاب المغربية، وهي على أبواب استحقاقات انتخابية جديدة، تبدو في جزء كبير منها منفصلة عن هذا الواقع الاجتماعي الجديد. فبدل تقديم برامج مهيكلة تستجيب لتحولات الأسرة المغربية، ينزلق الخطاب أحيانًا نحو تبسيط مخلّ أو اختزال إشكال مركب في شعارات سطحية.

في هذا السياق، يبرز خطاب عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب حزب العدالة والتنمية، كنموذج لهذا الاختزال، حيث يتم التركيز على قضايا مثل تقليص الساعة المضافة أو مراجعة سن التوظيف العمومي، وهي ملفات قد تحمل بعدًا اجتماعياً، لكنها لا تمسّ جوهر التحول العميق الذي تعرفه بنية الزواج في المغرب. الأكثر إثارة للجدل هو الطرح الذي يدعو فيه النساء إلى الاكتفاء بمستوى الباكالوريا والتوجه نحو الزواج باعتباره “فطرة”، وهو خطاب يتجاهل بشكل واضح التحولات البنيوية التي جعلت المرأة فاعلًا اقتصاديًا مستقلًا، لا مجرد طرف في معادلة تقليدية.

هذا النوع من الخطاب لا يواكب الواقع بقدر ما يعيد إنتاج تصورات قديمة لم تعد قادرة على تفسير أو حل الإشكال. فالعزوبة اليوم ليست نتيجة “اختيارات فردية منحرفة” كما قد يُفهم ضمنيًا، بل نتيجة مباشرة لانسداد آفاق الإدماج الاقتصادي، وغياب سياسات عمومية تدعم الاستقرار الأسري بشكل عملي.

المطلوب من الأحزاب، إذن، ليس إعادة إنتاج خطاب أخلاقي أو وعظي، بل بلورة سياسات عمومية دقيقة تعالج جوهر الأزمة: دعم الولوج إلى السكن عبر آليات تمويل ميسّرة، تحفيز التشغيل المستقر بدل العقود الهشة، مراجعة الإطار القانوني المنظم للزواج بما يخفف الكلفة والإجراءات، وإدماج التحولات الثقافية في تصور جديد للعلاقة بين الرجل والمرأة قائم على الشراكة الاقتصادية والاجتماعية.

الرهان الحقيقي لم يعد فقط في رفع نسب الزواج، بل في إعادة بناء الثقة في إمكانية تأسيس أسرة داخل سياق اقتصادي واجتماعي متوازن. دون ذلك، ستظل الأرقام التي تصدرها المندوبية السامية للتخطيط تعكس اتجاها تصاعديًا للعزوبة، بينما يظل النقاش السياسي يدور خارج الزمن الاجتماعي الحقيقي للمغاربة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى