الأمن المائي يبدأ من المدرسة.. مبادرة تربوية لمواجهة تحديات المستقبل

فاطمة الزهراء ايت ناصر 

سجّلت وكالة الحوض المائي لأبي رقراق والشاوية محطة جديدة في مسار ترسيخ الوعي البيئي، بإطلاق النسخة الثانية عشرة من “أسبوع أقسام الماء”، في مبادرة تتجاوز طابعها التحسيسي الظرفي لتندرج ضمن رؤية استراتيجية تروم إعادة تشكيل علاقة المجتمع، خاصة الناشئة، مع واحد من أكثر الموارد الحيوية هشاشة في المغرب.

وتأتي هذه التظاهرة، التي نُظمت تزامناً مع تخليد اليوم العالمي للماء، في سياق وطني موسوم بتزايد التحديات المرتبطة بالإجهاد المائي، حيث تتقاطع التحولات المناخية مع ضغط الطلب المتزايد على الموارد، ما يجعل من ترشيد الاستهلاك لم يعد مجرد خيار سلوكي، بل ضرورة استراتيجية تفرض نفسها بإلحاح.

وفي انسجام مع التوجيهات الملكية التي أكدت، منذ خطاب أكتوبر 2022، على ضرورة اعتماد سياسة مائية أكثر نجاعة واستباقية، تتواصل الجهود المؤسساتية لتعزيز الوعي الجماعي بأهمية الحفاظ على الماء، في إطار البرنامج الاستعجالي للتزويد بالماء الصالح للشرب ومياه السقي 2020-2027، الذي يشكل أحد أعمدة التدبير المائي بالمملكة.

ورغم المؤشرات الإيجابية التي سجلتها التساقطات المطرية الأخيرة، والتي انعكست على تحسن ملحوظ في حقينة السدود، حيث بلغت نسبة ملء سدود حوض أبي رقراق والشاوية حوالي 89.94 في المائة إلى غاية 2 أبريل 2026، مقابل 39.37 في المائة خلال نفس الفترة من السنة الماضية، إلا أن هذه الأرقام لا تحجب حقيقة بنيوية مفادها أن الجفاف في المغرب لم يعد ظرفياً، بل أصبح سمة هيكلية تفرض إعادة النظر في أنماط الاستهلاك والتدبير.

وفي هذا السياق، تراهن وكالة الحوض المائي على البعد التربوي كمدخل أساسي لإحداث تحول مستدام في السلوكيات، من خلال استهداف التلاميذ باعتبارهم فاعلين مستقبليين في تدبير الموارد الطبيعية. وقد احتضنت مجموعة مدارس الشهيد علال الرحماني بجماعة آيت أوريبيل بإقليم الخميسات فعاليات هذه الدورة، التي امتدت من 6 إلى 10 أبريل 2026، واستفاد منها 476 تلميذة وتلميذا عبر برنامج متنوع يجمع بين الورشات التفاعلية والأنشطة التربوية والزيارات الميدانية.

وتندرج هذه المبادرة ضمن مقاربة تشاركية، حيث جرى تنظيمها بشراكة مع عدد من المتدخلين، من بينهم المديريات الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، والوكالة الوطنية للمياه والغابات، إلى جانب فعاليات المجتمع المدني، في محاولة لبناء وعي جماعي متعدد المستويات حول أهمية الحفاظ على الماء.

ولا يقتصر رهان “أسبوع أقسام الماء” على نقل المعارف النظرية، بل يتجاوز ذلك إلى غرس قيم وسلوكيات يومية قائمة على الاقتصاد في استهلاك الماء، بما يضمن استدامة هذا المورد في ظل تزايد التحديات المناخية والبيئية. فالمعركة الحقيقية، كما تعكسها هذه المبادرات، لم تعد فقط تقنية أو بنيوية، بل أصبحت رهينة بمدى قدرة المجتمع على تبني ثقافة جديدة في التعامل مع الماء.

وبين تحسن ظرفي في المؤشرات المائية واستمرار الضغوط البنيوية، يبدو أن المغرب يواجه معادلة دقيقة تفرض الجمع بين الاستثمار في البنيات التحتية المائية وتكريس وعي جماعي مسؤول، حيث يصبح كل سلوك فردي جزءاً من معركة جماعية لضمان الأمن المائي للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى