دائرة “المحيط” تربك حسابات الأحرار.. اسم جديد يقلب موازين الترشيحات

حسين العياشي
سجّل حزب التجمع الوطني للأحرار تطوراً لافتاً في تدبير خريطته الانتخابية بالعاصمة الرباط، بعدما أطاحت ترتيبات اللحظة الأخيرة بتزكية كانت تُعتبر شبه محسومة لصالح أسماء أغلالو، عضو المكتب السياسي والعمدة السابقة للمدينة، قبل أن تنتقل بشكل مفاجئ إلى اسم جديد وُصف داخل الأوساط الحزبية بـ”الوافد من خارج الحسابات التقليدية”.
هذا التحول المفاجئ لم يكن مجرد تغيير تقني في لائحة الترشيحات، بل حمل في طياته رسائل سياسية عميقة، أعادت رسم ملامح التوازنات داخل الحزب على مستوى الرباط، وأثارت في الآن ذاته حالة من الارتباك في صفوف المقربين من أغلالو، الذين كانوا يراهنون على عودتها إلى الواجهة من بوابة الانتخابات التشريعية بدائرة المحيط.
وبحسب المعطيات المتداولة داخل الأوساط الحزبية، فإن قرار منح التزكية لطه الجماني جاء في سياق إعادة ترتيب الأوراق الانتخابية من طرف محمد شوكي، الذي اختار التدخل بشكل مباشر في حسم عدد من الترشيحات الحساسة، متجاوزاً حسابات محلية كانت تسير في اتجاه ضمان موقع انتخابي لأغلالو، بدعم من زوجها سعد بنمبارك، المنسق الجهوي للحزب، في إطار ترتيبات أوسع ترتبط بطموحات سياسية على مستوى الجهة.
غير أن هذا السيناريو انهار في اللحظة الأخيرة، بعد أن حُسم القرار لصالح وجه شاب لم يكن ضمن دائرة الأسماء المتداولة بقوة، ما اعتُبر داخل الحزب مؤشراً على بداية مرحلة جديدة عنوانها تقليص نفوذ بعض الشبكات المحلية وإعادة ضبط مراكز القرار التنظيمي.
وفي الوقت الذي استقبل فيه هذا القرار بصدمة داخل محيط أغلالو، تشير مصادر حزبية إلى أن جزءاً مهماً من التجمعيين بالعاصمة نظر إليه بإيجابية، باعتباره خطوة في اتجاه إعادة ترتيب البيت الداخلي وتجاوز منطق التموقعات التقليدية التي ظلت تتحكم في توزيع التزكيات خلال السنوات الماضية.
ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة دائرة “المحيط”، التي توصف داخل الأوساط السياسية بـ“دائرة الموت”، نظراً لشدة التنافس داخلها وتركيبتها الانتخابية المعقدة، حيث تلعب الأحياء الشعبية دوراً حاسماً في تحديد نتائج الاقتراع، ما يجعل اختيار المرشحين فيها خاضعاً لحسابات دقيقة تتجاوز الاعتبارات التنظيمية الصرفة.
في المقابل، يقدم الحزب هذا الاختيار ضمن رؤية أوسع تروم تجديد نخبته السياسية وضخ دماء جديدة في صفوف مرشحيه، حيث تم تقديم طه الجماني كواحد من الوجوه الشابة التي راكمت تجربة مهنية خارج أرض الوطن، خاصة بفرنسا، ما مكنه من اكتساب خبرات في مجالات التدبير والعمل المؤسساتي قبل دخوله المعترك السياسي.
ويأتي هذا التوجه، وفق قراءة داخلية، في سياق سعي حزب التجمع الوطني للأحرار إلى إعادة تشكيل صورته السياسية على المستوى الترابي، من خلال الدفع بكفاءات شابة تجمع بين التكوين الأكاديمي والانفتاح على التجارب الدولية، مع تعزيز الحضور الميداني القريب من المواطنين.
غير أن خلف هذا الخطاب الرسمي، تبرز رهانات أخرى لا تقل أهمية، ترتبط بطبيعة المرحلة السياسية المقبلة، حيث تشير المعطيات إلى أن الحزب بات يولي أهمية متزايدة للجاهزية المالية والقدرة على خوض معارك انتخابية مكلفة، خاصة في دوائر كبرى مثل “المحيط” التي تعرف تنافساً حاداً بين مختلف الأحزاب.
وبين من يقرأ القرار كخطوة إصلاحية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، ومن يراه تعبيراً عن صراع مراكز النفوذ داخل الحزب، تبدو تزكية طه الجماني أكثر من مجرد اختيار انتخابي عادي، بقدر ما تعكس تحولات أعمق في بنية القرار الحزبي، وتؤشر على مرحلة جديدة عنوانها إعادة توزيع الأوراق استعداداً لاستحقاقات سياسية تحمل الكثير من الرهانات.
وفي خضم هذه التحولات، تظل دائرة المحيط واحدة من أبرز بؤر الاختبار الحقيقي لهذه الاختيارات، حيث لن تحسم التزكيات وحدها نتائج المعركة، بل ستبقى الكلمة الفصل لصناديق الاقتراع، في مشهد انتخابي مفتوح على كل الاحتمالات.





