من الحقل إلى المائدة.. قصة خطر خفي اسمه المبيدات

أميمة حدري
تتصاعد المخاوف في المغرب بشأن الاستخدام المتزايد للمبيدات الزراعية، في ظل مؤشرات ميدانية ودراسات حديثة تكشف عن اختلالات عميقة في طرق الاستعمال ومستوى الوعي لدى المزارعين، ما يطرح تحديات متنامية على مستوى الصحة العامة وسلامة الغذاء والتوازن البيئي.
وتفيد معطيات صادرة عن مسح ميداني بأن جزءاً كبيراً من المزارعين يتعاملون مع هذه المواد من دون معرفة كافية بخصائصها أو مخاطرها، إذ أكد 86 في المائة من المستجوبين أنهم لا يتذكرون أسماء المبيدات التي يستخدمونها، فيما تبين أن 74 في المائة منهم يعانون من ضعف في المستوى الدراسي أو من الأمية، مقابل نسبة محدودة لا تتجاوز 33.3 في المائة أظهرت معرفة جيدة بإجراءات السلامة.
وتكشف هذه المؤشرات، وفق معطيات الدراسة، عن فجوة واضحة بين الإدراك العام لمخاطر المبيدات وبين الممارسة الفعلية داخل الحقول، حيث يسجل التزام متوسط بإجراءات السلامة، من قبيل احترام الجرعات الموصى بها أو استعمال معدات الحماية، في وقت تستمر فيه ممارسات مقلقة مرتبطة بالتخزين والتخلص من العبوات، التي غالبا ما تلقى في محيط السكن أو في أماكن غير آمنة، بما يفاقم من احتمالات التلوث البيئي والمخاطر الصحية.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن المغرب يستورد سنويا ما بين 15 و20 ألف طن من المبيدات الزراعية، في حين كشفت دراسة سابقة لمنظمة الأغذية والزراعة أن نحو 90 في المائة من السوق يخضع لهيمنة القطاع الخاص، بقيمة تناهز 730.4 مليون درهم، وهو ما يعكس حجم الاعتماد الكبير على هذه المواد في دعم الإنتاج الفلاحي. غير أن هذه الأرقام لا تعكس بشكل كامل حجم التداول الفعلي، في ظل وجود قنوات غير مهيكلة تساهم في إدخال كميات إضافية إلى السوق خارج الضوابط القانونية.
وفي هذا السياق، كان المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية قد أعلن، خلال يوليوز 2025، سحب أكثر من 400 مبيد زراعي من الأسواق المحلية عقب عملية إعادة تقييم، غير أن معطيات ميدانية تفيد باستمرار تداول بعض الأنواع المحظورة، مدفوعة بفارق الأسعار الكبير بينها وبين المبيدات المرخصة، حيث تباع المواد غير القانونية بأثمان منخفضة تتراوح بين 100 و150 درهما، مقابل أسعار قد تصل إلى 2000 درهم للمبيدات المعتمدة، وهو ما يشجع على انتشارها خاصة في صفوف الفلاحين محدودي الإمكانيات.
ويرى خبراء في المجال البيئي أن هذه الوضعية تعكس خللا بنيويا في منظومة الإرشاد الزراعي، أكثر من كونها مجرد سلوك فردي، مؤكدين أن ضعف التأطير التقني وغياب برامج التكوين المستمر يحدان من قدرة المزارعين على التعامل الآمن مع هذه المواد.
كما تشير المعطيات إلى أن أكثر من 60 في المائة من المزارعين لا يحترمون الجرعات الموصى بها، في حين يجهل نحو 70 في المائة مفهوم “فترة ما قبل الحصاد”، وهو ما يزيد من احتمال وجود بقايا سامة في المنتجات الفلاحية المعروضة للاستهلاك.
وتحذر نفس المعطيات من أن الاستهلاك السنوي الذي يفوق 12 ألف طن من المبيدات، في ظل هذا المستوى من التأطير، قد يتحول إلى مصدر تهديد حقيقي للصحة العامة، خاصة مع تسجيل حالات تسمم في بعض المناطق القروية، إلى جانب مؤشرات متزايدة على تلوث الموارد المائية. كما يساهم انتشار السوق غير المهيكل، الذي يقدر بنحو 15 في المائة من إجمالي السوق، في تعقيد جهود المراقبة، نتيجة تداول مواد غير مرخصة أو مقلدة.
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الدعوات إلى اعتماد مقاربة شاملة ترتكز على تعزيز الإرشاد الزراعي، وتكثيف حملات التوعية، وإدماج التكوين الإجباري في استعمال المبيدات، إلى جانب تشجيع البدائل البيئية، بما يضمن تحقيق توازن بين متطلبات الإنتاج الفلاحي وحماية صحة المستهلك والحفاظ على الموارد الطبيعية، في وقت بات فيه هذا الملف يشكل أحد أبرز التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي في المغرب.





