زلزال داخل الاتحاد العام للشغالين.. نقابات مكناس تلتحق بالحركة التصحيحية وتعمّق الأزمة

حسين العياشي
سجّل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب منعطفاً حاداً في مسار أزمته الداخلية، بعد إعلان قطاعات نقابية بمدينة مكناس فك ارتباطها بالتوجه الحالي للقيادة المركزية والتحاقها بما بات يُعرف بـ”الحركة التصحيحية”، في خطوة لم تعد تُقرأ كاحتجاج تنظيمي عابر، بل كإشارة قوية إلى تحوّل عميق في موازين القوى داخل الذراع النقابي لحزب الاستقلال.
هذا التحرك، الذي يأتي في سياق دينامية احتجاجية آخذة في الاتساع داخل عدد من الفروع والقطاعات، كشف أن منسوب التوتر داخل الاتحاد تجاوز عتبة الانتقادات الجزئية إلى مستوى مساءلة شاملة لشرعية القيادة الحالية، وعلى رأسها الكاتب العام النعم ميارة. فالمعترضون لم يكتفوا بالتعبير عن تحفظاتهم، بل ذهبوا إلى حد الحديث عن “انحرافات خطيرة” مست جوهر العمل النقابي، وتهدد، في تقديرهم، هوية الاتحاد ودوره التاريخي في الدفاع عن قضايا الشغيلة.
غير أن ما يمنح هذه التطورات ثقلاً إضافياً هو تقاطعها مع معطيات سياسية متداولة داخل كواليس حزب الاستقلال، توحي بأن الأزمة لم تعد محصورة داخل حدود التنظيم النقابي، بل أصبحت جزءاً من إعادة ترتيب أوسع لمراكز النفوذ داخل الحزب. فوفق مصادر حزبية لـ”إعلام تيفي” من داخل البيت الاستقلالي، لم تكن العزلة التي بدأت تحيط بميارة وليدة اللحظة، بل نتيجة مسار متدرج يعكس تحوّلاً في موقف دوائر القرار، وصل إلى حد ما يشبه “رفع الغطاء السياسي” عنه بشكل غير معلن.
وتعزز هذه القراءة طبيعة التحرك الذي قاده عدد من أعضاء المكتب التنفيذي، والذين يُصنّفون ضمن التيار الصلب داخل التنظيم، إذ يصعب، بحسب متابعين، تصور انخراطهم في مسار التصعيد دون وجود إشارات ضمنية من مراكز القرار الحزبي. وهو ما يكشف أن ما يجري يتجاوز كونه صراعاً نقابياً داخلياً، ليأخذ أبعاداً سياسية مرتبطة بإعادة ضبط التوازنات داخل حزب الاستقلال، خاصة في ظل اقتراب محطات تنظيمية حساسة تستدعي، في نظر القيادة، تطويق بؤر التوتر قبل أن تتحول إلى أزمة مفتوحة.
وفي هذا السياق، يكتسب تغير مواقف بعض القيادات الحزبية دلالة خاصة، حسب المصدر ذاته، إذ اختارت شخصيات كانت إلى وقت قريب تُعد من أبرز الداعمين لميارة التراجع إلى موقع أقرب إلى الحياد، تاركةً إياه في مواجهة مباشرة مع تيار “المصححين”، الذي رفع سقف المواجهة من خلال تبني مطلب “الافتحاص المالي” كمدخل للطعن في شرعية القيادة الحالية، ليس فقط من زاوية تنظيمية، بل أيضاً من زاوية قانونية وأخلاقية.
هذا التشابك بين النقابي والسياسي منح الأزمة طابعاً مركباً، حيث لم تعد دعوات الإصلاح الداخلي معزولة عن حسابات التوازن داخل الحزب. كما أن تقارير داخلية تتحدث عن تراجع الثقة داخل القواعد النقابية وارتفاع منسوب الانتقادات المرتبطة بما يُوصف بـ”الاستفراد بالقرار”، ساهمت في تغذية هذا المسار التصعيدي، الذي بات يُنظر إليه داخل دوائر نافذة كخطر محتمل على صورة الحزب في المشهدين الاجتماعي والسياسي.
في المقابل، يحاول التيار الموالي للكاتب العام التقليل من حجم هذا الحراك، واعتباره مجرد محاولة للتشويش أو تصفية حسابات داخلية، غير أن تسارع وتيرة الانضمام إلى الحركة التصحيحية، خاصة من مدن وقطاعات ذات وزن تنظيمي، يكشف أن الأزمة تجاوزت مرحلة الاحتواء، وانتقلت إلى طور إعادة رسم ملامح القيادة داخل الاتحاد.
ويذهب عدد من المتابعين، إلى أن ما يشهده الاتحاد العام للشغالين بالمغرب اليوم، يندرج ضمن دينامية أوسع لإعادة هندسة مراكز القوة داخل حزب الاستقلال، حيث يُتداول في الكواليس أن مسألة إزاحة ميارة من قيادة النقابة لم تعد مرتبطة بإمكانية حدوثها، بل بتوقيت تنزيلها، في إطار تسوية سياسية تسعى إلى تجنب انفجار داخلي قد ينعكس على توازنات الحزب داخل الحكومة والبرلمان.
وبين ضغط “المصححين” المتصاعد وتراجع الدعم السياسي، يجد الكاتب العام نفسه أمام معادلة معقدة تتقاطع فيها رهانات التنظيم النقابي مع حسابات التوازن الحزبي، في لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل مستقبل الاتحاد، إما عبر إعادة ترتيب أوراقه الداخلية، أو عبر الانزلاق نحو انقسام يصعب احتواؤه





