درعة تافيلالت: حين يسبق الميدان السياسات في تثمين التراث

في الوقت الذي رصدت فيه الدولة مئات الملايين من الدراهم لتثمين القصور والقصبات، تكشف التجربة الميدانية في درعة تافيلالت أن الرهان الحقيقي لم يعد في ترميم الحجر، بل في تجاوز منطق التدبير القطاعي نحو رؤية أفقية تجعل من التراث رافعة تنموية متكاملة.

بقلم: سعيد كان

ليست كل التجارب الميدانية متشابهة. بعضها يكتفي بتأكيد ما نعرفه، وبعضها الآخر يكشف فجوة صامتة بين ما يُخطط له في المكاتب وما يتحقق فعلياً في الواقع.

هذا ما وقفت عليه خلال زيارتي الميدانية الأخيرة لتصوير القصور والقصبات بمنطقة درعة تافيلالت، حيث يتخذ النقاش حول تثمين التراث بُعداً عملياً يتجاوز الخطاب المؤسساتي.

أرقام تؤكد الأهمية.. لكنها لا تكفي

وفق معطيات صادرة عن وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وبتنسيق مع قطاعات متعددة، تم إطلاق برنامج وطني لتثمين القصور والقصبات، خُصصت له اعتمادات مالية تفوق 1.5 مليار درهم، مع استهداف ترميم وتأهيل أكثر من 100 قصر وقصبة، خاصة بجهة درعة تافيلالت التي تضم أكبر كثافة لهذا التراث على الصعيد الوطني.

كما تشير بيانات وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني إلى أن الجهة تعرف نمواً تدريجياً في السياحة القروية والثقافية، مع تسجيل آلاف الزوار سنوياً لمواقع مثل آيت بن حدو وتافيلالت، وهو ما يعزز فرضية الربط بين التراث والتنمية.

لكن، ورغم أهمية هذه الأرقام، فإنها تظل غير كافية لقياس الأثر الحقيقي.

ما لا تقوله الأرقام: التحول في حياة الساكنة

في الميدان، تبدو الصورة أكثر عمقاً.

الساكنة المحلية لا تتحدث عن “مشاريع”، بل عن تحولات ملموسة:

  • عودة تدريجية للحرف التقليدية
  • بروز تعاونيات مرتبطة بالمنتوجات المحلية
  • فرص جديدة في الإرشاد السياحي والخدمات المرتبطة به

إنه اقتصاد محلي في طور التشكل، مدفوع بالتراث، وليس مفروضاً عليه.

في قصبة آمزرو بزاكورة، التقيت رجلين من أسرة معروفة بصناعة الحلي الفضية التقليدية، أخبراني أنهما من بين أربعة فقط ما يزالون يحافظون على هذه الحرفة بأسلوبها الأصيل. قالا لي إن الترميم أعاد لهما الأمل في إحياء هذه الصناعة ونقلها إلى جيل جديد، بعد أن كان بعض الحرفيين قد تخلوا عنها.

اليوم، ومع عودة الجاذبية إلى القصر، أصبحت منتجاتهم أكثر إدراراً للدخل، وإن كان طموحهم ما يزال معلقاً باستكمال عمليات الترميم، حتى يتمكنوا من توسيع نشاطهم وتطويره.

هذا التحول يؤكد أن تثمين القصور والقصبات يمكن أن يكون رافعة حقيقية للاقتصاد التضامني، كما تنص على ذلك توجهات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH)، التي تدعم مثل هذه الديناميات على المستوى المحلي.

إشكال بنيوي: تعدد المتدخلين وغياب الالتقائية

غير أن هذه الدينامية تصطدم بإشكال بنيوي واضح:
تعدد المتدخلين مقابل ضعف الالتقائية.

التراث تحت إشراف قطاع الثقافة، والترميم في يد قطاع التعمير، والسياحة تُدار بمنطق خاص، والاقتصاد التضامني يسير في مسار موازٍ.

ورغم وجود اتفاقيات شراكة، فإن التنسيق يظل، في كثير من الأحيان، إدارياً أكثر منه استراتيجياً، وهو ما يجعل الأثر النهائي أقل من الإمكانات المتاحة.

وحسب ما رصدته ميدانياً، فإن الحاجة اليوم لم تعد فقط إلى استمرار البرنامج، بل إلى تعزيز موقعه كقاطرة موحِّدة لهذه الجهود.

فقد استمعت إلى شهادات من الساكنة تعتبر البرنامج رائداً في جهود الترميم، لكنه في المقابل يواجه ما يمكن تسميته بـ”جيوب مقاومة” داخل بعض القطاعات، التي ما تزال تنظر إليه كإجراء مرحلي، لا كإطار قيادي دائم.

بل إن أحد المسؤولين في قطاع شريك قال لي في لحظة مكاشفة ما استوقفتني و اختزل هذا التوتر بوضوح:
البرنامج مهما استمر فهو عابر، أما نحن فمؤسسة حكومية باقية.”

الميدان يشتغل بمنطق أفقي.. والسياسات ما تزال عمودية

المفارقة الأساسية أن ما تسعى إليه السياسات لم يتحقق بعد على مستوى التخطيط، يتحقق جزئياً على مستوى الواقع.

فالساكنة، بحكم التجربة، تشتغل بمنطق أفقي:

  • تربط بين التراث والدخل
  • بين السياحة والحرف
  • بين الذاكرة والاستثمار

في المقابل، ما تزال السياسات العمومية حبيسة منطق عمودي، يُجزئ الإشكال بدل أن يعالجه في شموليته.

من ترميم المعمار إلى بناء نموذج تنموي

التحدي اليوم لم يعد تقنياً، بل مفاهيمياً:
هل نريد قصوراً مرممة؟ أم نريد مجالات حية؟

الفرق جوهري.

لأن ترميم البنايات دون إدماجها في دورة اقتصادية واجتماعية يحولها إلى فضاءات جامدة،
بينما إدماجها في مشروع تنموي متكامل يجعل منها محركات فعلية للنمو المحلي.

وفي قصبة تابوعصامت بالريصاني، التقيت ببنّاء محلي متخصص في الترميم بالأسلوب التقليدي، أكد لي أن هذه الأوراش مكنته من دخل قار، وجعلته مطلوباً من طرف شركات تنجز مشاريع مماثلة، بفضل الخبرة التي راكمها.

إنها خبرة نادرة، كانت مهددة بالاندثار، قبل أن يعيد لها هذا الورش قيمتها الاقتصادية والمهنية.

وهذا ما يتقاطع مع التوجهات الكبرى للنموذج التنموي الجديد، الذي يدعو إلى تثمين الخصوصيات المجالية كرافعة أساسية للتنمية.

ضرورة الانتقال منبرنامجإلىمشروع مجتمعي

برنامج تثمين القصور والقصبات يشكل اليوم أحد أكثر الأوراش الواعدة في المغرب،
لكن استمراريته ونجاعته تظلان رهينتين بشرط أساسي:

الانتقال من منطق البرامج القطاعية إلى منطق المشروع المجتمعي المندمج.

في درعة تافيلالت، الرسالة واضحة:
التراث ليس ماضياً نُرممه، بل فرصة نُعيد من خلالها تشكيل الحاضر والمستقبل.

وحين ينجح هذا الورش، فإنه لا يحفظ الذاكرة فقطبل يعيد توزيع إمكانيات التنمية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى