بين التتويج الدولي وزخم المعرض.. الرباط تجعل من الكتاب ركيزة لمشروعها الحضري الجديد

حسين العياشي

تستعدّ الرباط لكتابة فصل استثنائي في تاريخها الثقافي، وهي تجمع بين لحظتين متداخلتين: تتويجها “عاصمة عالمية للكتاب” واحتضانها الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، في موعد يمتد من 30 أبريل إلى 10 ماي 2026، تحت الرعاية الملكية السامية، ليحوّل العاصمة إلى فضاء نابض بالمعرفة تتقاطع فيه الرمزية الدولية مع الحركية الثقافية اليومية.

ولا يبدو هذا الحدث مجرد محطة سنوية عابرة، بل يتخذ ملامح لحظة مركّبة تُعيد تعريف علاقة المدينة بالكتاب، إذ يأتي التتويج الدولي ثمرة مسار طويل راكمت فيه الرباط رصيداً ثقافياً ومعرفياً متيناً، مستندة إلى مؤسساتها الأكاديمية، ونسيجها الثقافي الحي، والتزامها بقضايا التعليم ومحاربة الأمية، فضلاً عن مكانتها كتراث عالمي للإنسانية منذ سنة 2012. وهي عناصر تجعل من هذا الاعتراف تتويجاً لمسار أكثر منه انطلاقة جديدة.

في قلب هذه الدينامية، يبرز المعرض الدولي للنشر والكتاب كمنصة مركزية لا تقتصر على عرض الإصدارات، بل تتحول إلى فضاء للتفكير والنقاش وتبادل الخبرات؛ فالدورة المرتقبة ستجمع 61 بلداً و891 عارضاً، مع عرض يتجاوز 130 ألف عنوان، وبرمجة ثقافية تمتد على 342 نشاطاً موزعة على 12 محوراً، في بنية تنظيمية تعكس تحوّل المعرض إلى حدث شامل تتداخل فيه الأبعاد الثقافية والمهنية والتربوية.

غير أن التحول الأبرز في هذه الدورة يتجلى في السعي إلى إخراج الكتاب من حدوده التقليدية، حيث تراهن الرؤية الجديدة على إدماج القراءة في الفضاء العمومي، عبر أنشطة تمتد إلى المستشفيات والمراكز الإصلاحية ودور الأيتام ووسائل النقل والساحات والمنتزهات. إنها مقاربة تعيد تعريف الكتاب باعتباره ممارسة يومية ومشتركة، لا منتجاً نخبوياً محصوراً داخل قاعات العرض، بما يعزز حضوره في الحياة الاجتماعية ويقرّبه من فئات ظلت بعيدة عن الفعل الثقافي.

ويكتسب هذا التوجه بعداً دولياً من خلال اختيار فرنسا ضيف شرف لهذه الدورة، في امتداد لعلاقات ثقافية متجذرة، حيث يُنتظر أن يقدّم الجناح الفرنسي برنامجاً يزاوج بين الأدب والفنون الرقمية والبصرية، مع تركيز خاص على فئة الشباب، بما يفتح آفاقاً جديدة للتبادل الثقافي والمهني داخل صناعة الكتاب.

وفي بعده الرمزي، يضع المعرض الرحالة المغربي ابن بطوطة في صدارة اهتماماته، من خلال محور مركزي يحتفي بأدب الرحلة كجسر للمعرفة والانفتاح، حيث يُعاد تقديم هذه الشخصية الكونية عبر معارض ووثائق ومخطوطات ووسائط تفاعلية، في استحضار لروح الاكتشاف التي طبعت مسيرته، وربطها بأسئلة الحاضر المرتبطة بالهوية والتواصل بين الثقافات.

وفي المقابل، يمنح المعرض مساحة خاصة لعالم الطفولة، عبر تجربة مستوحاة من “الأمير الصغير“، تُحوّل القراءة إلى مغامرة حسية وبصرية، تمزج بين الخيال والذاكرة، وتفتح أمام الأطفال والناشئة أبواباً جديدة لاكتشاف الأدب بطريقة تفاعلية، تعيد للكتاب سحره الأول.

ولا تقف هذه الدينامية عند حدود البعد الرمزي أو الجماهيري، بل تمتد إلى تقوية البنية المهنية لصناعة الكتاب، من خلال لقاءات بين الناشرين، وورشات تكوينية، وإقامات أدبية، ومبادرات لدعم سلاسل النشر والتوزيع، بما يعكس وعياً متزايداً بضرورة بناء منظومة ثقافية مستدامة تتجاوز زمن المعرض إلى أثر طويل المدى.

وفي موازاة ذلك، تراهن التظاهرة على حضور إعلامي واسع يضمن امتدادها إلى الفضاء العمومي، بما يجعلها حدثاً وطنياً يتجاوز حدوده المكانية، ويُعيد إدماج القراءة في النقاش المجتمعي، ليس كفعل ثقافي فقط، بل كرافعة للتنمية والاندماج الاجتماعي.

وهكذا، تبدو الرباط وهي تستعد لهذا الموعد وكأنها تعيد صياغة علاقتها بالكتاب، ليس بوصفه رمزاً ثقافياً فحسب، بل باعتباره أداة لإعادة تشكيل الفضاء العام، وجسراً يربط بين المعرفة والحياة اليومية. وبين لحظة التتويج الدولي وزخم المعرض، ترسم العاصمة المغربية ملامح مشروع ثقافي متكامل، يؤكد أن الكتاب ليس ترفاً موازياً للحياة، بل أحد شروطها العميقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى