إلى أي حد يهدد ارتفاع أسعار المحروقات بالمغرب استقرار الاقتصاد ويكشف حدود السيادة الطاقية؟ (حوار)

فاطمة الزهراء ايت ناصر 

شهدت أسعار المحروقات في المغرب خلال الفترة الأخيرة ارتفاعا ملحوظا، في سياق دولي متوتر يتسم بتصاعد الأزمات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وهي منطقة تعد من أبرز مراكز إنتاج وتصدير النفط عالميا، هذا الوضع انعكس بشكل مباشر على السوق الوطنية، نظرا لاعتماد المغرب الكبير على استيراد حاجياته الطاقية، حيث تتجاوز نسبة الاستيراد 90%.

ومع كل اضطراب في الأسواق الدولية، تجد الأسعار طريقها سريعا إلى محطات الوقود، مما ينعكس على كلفة النقل والإنتاج، ويؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين.

ومن أجل فهم أثار هذه الازمة قمنا بحوار مع الدكتور المحلل الإقتصادي إدريس العلاوي.

إليكم نص الحوار:

كيف تفسرون الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات، وهل هو مرتبط فقط بعوامل مادية كالعرض والطلب؟

في الحقيقة، من الخطأ اختزال ما يجري اليوم في مجرد تفاعل كلاسيكي بين العرض والطلب، ما نعيشه هو صدمة مركبة، بدأت أولا بعامل نفسي قوي داخل الأسواق الدولية، حيث خلق اندلاع التوترات في الشرق الأوسط حالة من الهلع دفعت الأسعار إلى الارتفاع حتى قبل حدوث أي نقص فعلي في الإمدادات.

بعد ذلك، دخلنا في مرحلة ثانية مرتبطة بالمخزون العالمي، حيث بدأت الدول والشركات في إعادة حساباتها وتخزين كميات إضافية تحسبا لأي طارئ، وهو ما زاد من الضغط على الأسعار.

بالنسبة للمغرب، الإشكال بنيوي أكثر منه ظرفي، لأننا مرتبطون بشكل كبير بالخارج، إذ نستورد أكثر من 90% من حاجياتنا الطاقية، هذا يعني أن أي اضطراب، مهما كان محدودا زمنيا، ينتقل بسرعة إلى السوق الوطنية، وبالتالي، نحن لا نتحكم في السعر بقدر ما نتأثر به، وهو ما يطرح سؤال السيادة الطاقية بشكل حاد.

ما هي أبرز الانعكاسات المباشرة لهذا الارتفاع على الاقتصاد الوطني؟

الانعكاسات متعددة ومتشابكة، أول قطاع يتأثر هو النقل، سواء النقل البحري أو الجوي أو الطرقي، على المستوى الدولي، ارتفعت تكاليف شحن البضائع، ليس فقط بسبب المحروقات، بل أيضا بسبب ارتفاع تكلفة التأمين نتيجة المخاطر الجيوسياسية، هذا كله ينعكس على كلفة الواردات.

داخليا، قطاع النقل هو العمود الفقري للاقتصاد، وبالتالي أي ارتفاع في كلفته ينتقل مباشرة إلى باقي القطاعات، الفلاحة، الصناعة، التجارة، والخدمات… كلها تتأثر، لأن المحروقات تدخل في كل مراحل الإنتاج والتوزيع، والنتيجة هي ارتفاع الأسعار، تراجع القدرة الشرائية، وانخفاض الطلب، وهو ما يؤثر بدوره على المقاولات، التي قد تجد نفسها مضطرة لتقليص الإنتاج أو حتى تسريح العمال.

هناك أيضا تأثير على جاذبية الاستثمار، لأن المستثمر عندما يرى أن كلفة الطاقة مرتفعة وغير مستقرة، فإنه يتردد في توجيه استثماراته نحو بلد معين.

كيف تقيمون لجوء الحكومة إلى دعم قطاع النقل، وهل يمكن تعميم هذا الدعم؟

الدعم في هذه الحالة هو إجراء ضروري لتخفيف الصدمة، خصوصا على الفئات الهشة، المغرب راكم تجربة مهمة في تدبير مثل هذه الأزمات، كما رأينا خلال أزمة أوكرانيا، حيث ساهم دعم المهنيين في استقرار نسبي لأسعار النقل.

لكن يجب أن نكون واضحين، هذا الحل ظرفي وليس استراتيجيا، لا يمكن أن نستمر في ضخ مليارات الدراهم في الدعم دون تحقيق نتائج مستدامة، تجربة 2022 أظهرت أن كلفة الدعم كانت مرتفعة جدا، دون أن ينعكس ذلك بشكل كامل على استقرار الأسعار.

لهذا، يجب التعامل مع الدعم كأداة مرحلية، تستعمل لعبور الأزمة، وليس كخيار دائم، والأهم هو أن يكون هذا الدعم موجها بدقة للفئات التي تستحقه، وليس عاما.

ما رأيكم في العودة إلى صندوق المقاصة كآلية لضبط الأسعار؟

العودة إلى صندوق المقاصة بشكل كامل ليست حلا، لأن هذا النموذج أظهر محدوديته، صحيح أنه يوفر نوعا من الاستقرار الظاهري للأسعار، لكنه مكلف جدا لميزانية الدولة، وقد يؤدي إلى اختلالات مالية على المدى البعيد.

اليوم، المغرب اختار التوجه نحو الدعم المباشر، وهو خيار أكثر استهدافا ونجاعة، لأنه يوجه الموارد مباشرة إلى الأسر المحتاجة بدل دعم الأسعار بشكل عام، لكن في حالات استثنائية، يمكن تأجيل إصلاح صندوق المقاصة أو الإبقاء على بعض أشكال الدعم بشكل مؤقت، إلى حين استقرار الأوضاع.

ما هي الحلول الهيكلية لتجاوز هذه الأزمة مستقبلًا؟

هناك ثلاث محاور أساسية:

أولًا، تعزيز القدرة التخزينية، لا يمكن أن نبقى رهائن للتقلبات الدولية دون امتلاك مخزون استراتيجي كاف، مشاريع مثل الناظور غرب المتوسط يمكن أن توفر للمغرب قدرة تخزين تصل إلى عدة أشهر، وهو ما يمنحنا هامشا أكبر للتحكم في السوق.

ثانيا، تنويع الشركاء ومصادر التوريد، لتفادي الاعتماد المفرط على منطقة واحدة.

ثالثا، وهو الأهم، تسريع الانتقال الطاقي، المغرب يمتلك إمكانيات كبيرة في الطاقات المتجددة، سواء الشمسية أو الريحية، هذا هو الرهان الحقيقي، لأنه يمكننا من تقليص التبعية للخارج، وتحسين تنافسية الاقتصاد.

 هل يمكن للطاقات المتجددة أن تعوض فعليا الطاقة المستوردة؟

على المدى القصير، لا.

نحن نتحدث عن أقل من 10% من الإنتاج الداخلي مقارنة بالحاجيات، وبالتالي لا يمكن تعويض الفجوة بسرعة، لكن على المدى المتوسط والبعيد، نعم، بشرط تسريع وتيرة الاستثمار.

المشكل اليوم ليس في الرؤية، بل في سرعة التنفيذ، نحن حققنا تقدما، لكن ليس بالسرعة المطلوبة. إذا أردنا الوصول إلى أهداف 2030، يجب مضاعفة الجهود والاستثمارات.

ما الخلاصة التي يمكن الخروج بها من هذه الأزمة؟

الأزمات دائما تحمل في طياتها فرصا.، صحيح أن هناك خسائر على مستوى الأسعار والقدرة الشرائية، لكن في المقابل هناك فرصة لإعادة التفكير في النموذج الطاقي والاقتصادي.

المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق تدبير الأزمة إلى منطق بناء السيادة، عبر الاستثمار في الطاقات المتجددة، تعزيز الإنتاجية، وتحسين تنافسية الاقتصاد، لأن المستقبل لن يكون لمن يملك الموارد فقط، بل لمن يحسن تدبيرها واستباق الأزمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى