تكاليف الشحن عبر النقل البحري ترتفع في ظل التوترات في الشرق الأوسط

بشرى عطوشي
تحليل – رغم أن تجارة المغرب لم تتأثر بشكل كبير بارتفاع أسعار الشحن خلال حرب الشرق الأوسط، إلا أن تصاعد الصراعات وتزايد حالة عدم اليقين قد يُعيد إشعال فتيل ارتفاع تكاليف النقل البحري.
تُعمّق التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط حالة عدم اليقين المحيطة بنتيجة هذا الصراع، ففي الوقت الذي كان يُتوقع فيه أن تُنعش الهدنة التجارة، عاد عدم اليقين.
ومع ذلك، من الضروري الاستعداد لجميع السيناريوهات، ورغم أن إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل ليست مؤكدة بعد، إلا أنها تُنذر بارتفاع أسعار الشحن البحري بشكل حاد مرة أخرى.
يُذكّر هذا الوضع بالانتعاش الاقتصادي الذي أعقب جائحة كوفيد-19 في عامي 2021 و2022، حيث أدت الزيادات القياسية في أسعار الشحن البحري إلى وضع المستوردين المحليين في موقف حرج.
لم يُؤدِ نقص الحاويات، المرتبط بالطلب القوي، وإعادة توجيهها إلى مسارات أكثر ربحية، إلى تأخير تدفق الواردات والصادرات فحسب، بل دفع الأسعار، قبل كل شيء، إلى مستويات تتجاوز 20,000 دولار أمريكي للحاوية الواحدة من الصين إلى المغرب.
في الواقع، قد يؤدي تخفيف التوترات في الشرق الأوسط بشكل دائم، خلافاً للتوقعات، إلى ارتفاع أسعار الشحن البحري في البداية، قبل عودة تدريجية إلى التوازن. إنها ظاهرة انتقالية، لكنها ذات تداعيات حقيقية على الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، بدءاً من المغرب.
ترقب وانتظار في انتظار تأمين الإمدادات
خلال الحرب، تباطأت بعض التدفقات التجارية، أو تم تحويلها، أو تعليقها، واعتمد المستوردون نهج الترقب والانتظار، وتضاءلت المخزونات، وتأجلت الطلبات.
وقد تجلى ذلك في استحالة مرور ناقلات النفط وسفن الحاويات عبر مضيق هرمز، الذي يستوعب وحده 20 في المائة من صادرات النفط والغاز العالمية، فضلاً عن الأسمدة.
مع إعلان وقف إطلاق نار موثوق، انتعش الاقتصاد فجأة، وسعت الشركات إلى تجديد مخزوناتها، وتأمين إمداداتها، والوفاء بالعقود المعلقة. وأدى هذا الاستئناف المتزامن إلى زيادة كبيرة في الطلب اللوجستي. وكافحت شركات الشحن، التي أعيد توجيه قدراتها أو تقلصت خلال النزاع، لاستيعاب هذا التدفق المفاجئ، ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار الشحن.
عامل آخر يجب أخذه في الاعتبار هو استمرار الاختلالات اللوجستية، لا يعني انتهاء الأعمال العدائية عودة فورية إلى الوضع الطبيعي. قد تبقى موانئ المنطقة تعمل جزئيًا فقط، مع تضرر بعض البنية التحتية أو خضوعها لقيود أمنية.
وتبقى سلاسل التوريد مجزأة، وتطول فترات التأخير، ويعود ازدحام الموانئ، في هذا السياق، تصبح كل عملية دخول إلى الميناء أكثر تكلفة من حيث الوقت والموارد، مما يزيد الضغط على الأسعار نحو الانخفاض. يضاف إلى ذلك جمود الرسوم الإضافية المتعلقة بالمخاطر.
أقساط التأمين ورسوم مخاطر الحرب
خلال الحرب، ارتفعت أقساط التأمين بشكلٍ كبير، وأصبحت ما يُسمى برسوم “مخاطر الحرب” الإضافية هي القاعدة على العديد من الطرق الاستراتيجية.
مع ذلك، لا تختفي هذه التكاليف بين عشية وضحاها، إذ تحافظ شركات التأمين وشركات الشحن على مستويات عالية من الحذر، وتُدرج في تسعيرها إدراكًا لا يزال غير مكتمل للمخاطر.
يُسهم هذا التأخير في إبقاء أسعار الشحن أعلى من مستوياتها قبل الأزمة، ومن العوامل الرئيسية الأخرى إعادة تشكيل طرق الشحن.
خلال فترات التوتر، تتجنب العديد من الشركات المناطق عالية المخاطر، مُطيلةً الطرق، لا سيما عبر رأس الرجاء الصالح بدلًا من قناة السويس. حتى بعد انتهاء النزاع، لن تكون العودة إلى الطرق المثلى إلا تدريجيًا.
ويجب إعادة تخطيط الطرق، وإعادة موازنة دورات السفن، وإعادة تموضعها، وتُولّد هذه المرحلة الانتقالية أوجه قصور تشغيلية، مما يُقلل مؤقتًا من الطاقة الاستيعابية الفعلية للسوق ويدعم التعريفات الجمركية.
تكاليف الطاقة
أخيرًا، يبقى عامل الطاقة حاسمًا. فالنزاعات في الشرق الأوسط تُسبب تقليديًا تقلبات كبيرة في أسعار النفط. يمثل الوقود عنصراً رئيسياً في تكاليف النقل البحري. وحتى بعد فترة هدوء جيوسياسي، قد تبقى أسواق النفط متقلبة، مما يُبقي تكاليف التشغيل مرتفعة لأصحاب السفن، والتي يتحملها الشاحنون.
بالنسبة للمغرب، الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على واردات منتجات الطاقة والحبوب والسلع المصنعة، فإن هذا الوضع ليس بالهين.
ارتفاع مؤقت في أسعار الشحن
يؤدي هذا إلى زيادة تكاليف الاستيراد، وتأجيج الضغوط التضخمية، وتعقيد مسار استقرار الأسعار. ويتعين على الجهات الاقتصادية الفاعلة، من جانبها، التعامل مع انخفاض مستوى الشفافية وتقلب تكاليف الخدمات اللوجستية.
مع ذلك، على المدى المتوسط، من المتوقع أن تستعيد أساسيات القطاع عافيتها، فالعودة إلى مسارات الشحن الأقصر، وتطبيع التأمين، وقبل كل شيء، زيادة الطاقة الاستيعابية للنقل، من شأنها أن تُسهم في خفض الأسعار. وكما هو الحال غالبًا في قطاع الشحن، يتأرجح السوق بين الضغوط الدورية ودورات فائض الطاقة الاستيعابية.





