جهة الدارالبيضاء سطات..تمويل السندات وتوسيع المديونية أمام رهان التحديث المالي أو المخاطرة المؤجلة

بشرى عطوشي
تحليل_ إثر التحوّل التدريجي الذي تشهده المالية العمومية بالمغرب، تتداول بعض الأنباء التي تفيد بأن جهة الدار البيضاء–سطات تتجه إلى إصدار سندات في السوق المالية بقيمة تقارب 100 مليار سنتيم، أي ما يعادل مليار درهم، لتمويل مشاريع كبرى.
ورغم أن المعطى ما يزال في إطار التسريبات غير المؤكدة رسمياً، فإن دلالاته، في حال تأكيده، تتجاوز بكثير مجرد عملية تعبئة مالية ظرفية، نحو إعادة تشكيل طريقة تمويل الجهات في المغرب.
ما يبدو في الظاهر خطوة تقنية لتمويل مشاريع بنية تحتية أو تنموية، يحمل في العمق تحوّلاً بنيوياً في فلسفة تدبير الاستثمار الترابي.
نحن أمام انتقال تدريجي من نموذج يعتمد أساساً على تحويلات الدولة والقروض البنكية، إلى نموذج أكثر تعقيداً يقوم على ولوج أسواق رأس المال، عبر ما يُعرف بتمويل الدين من خلال السندات.
هذا التحول يضع الجهات في موقع مختلف تماماً عن السابق: لم تعد مجرد امتدادات إدارية للتنمية المركزية، بل فاعلاً مالياً مطالباً بإثبات جدارته الائتمانية أمام المستثمرين، وبإقناع السوق بقدرته على السداد وتوليد القيمة.
لكن خلف هذا المنطق “التحديثي”، تبرز أسئلة أكثر إلحاحاً من الحماس المرتبط بالتمويل الجديد.
إعادة تدوير الديون داخل مشاريع غير منتجة وذات بعد سياسي أكثر منه اقتصادي
أولها أن رفع مستوى المديونية الترابية يفتح الباب أمام مخاطر هيكلية، لأن الجهات لا تملك نفس الأدوات الجبائية أو السيادية التي تملكها الدولة، وبالتالي فإن أي اختلال في تقدير العائد الاقتصادي للمشاريع الممولة قد يتحول بسرعة إلى عبء مالي طويل الأمد، تُرهن له الميزانيات المستقبلية عبر خدمة الدين والفوائد.
ثاني هذه الإشكالات يرتبط بالنجاعة والحوكمة. فالسندات، من حيث المبدأ، لا تُقاس فقط بحجم الأموال التي تجمعها، بل بمدى ربطها بمشاريع واضحة، قابلة للقياس، وذات أثر اقتصادي مباشر، وفي غياب هذا الربط، يمكن أن يتحول التمويل إلى مجرد إعادة تدوير للديون داخل مشاريع غير منتجة، أو إلى استثمارات ذات بعد سياسي أكثر منه اقتصادي.
أما البعد الثالث فيتعلق بالسوق نفسها. فنجاح أي إصدار من هذا النوع رهين بثقة المستثمرين، وهذه الثقة ترتبط بدورها بالشفافية، وبالتصنيف الائتماني، وبقدرة الجهة على الالتزام. أي اهتزاز في هذه العناصر قد يرفع تكلفة التمويل بشكل كبير، أو يقلل من الإقبال، أو يخلق ضغطاً على السوق الثانوية للسندات.
رهان مشروط
ولا يمكن تجاهل ما يسمى بخطر العدوى المالية، حيث إن تعثر جهة واحدة في الوفاء بالتزاماتها قد ينعكس سلباً على تصور المستثمرين لباقي الجهات، وبالتالي يعيد تسعير المخاطر على مستوى وطني أوسع، وليس محلياً فقط.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن لهذه الخطوة جانباً إصلاحياً محتملاً، إذا ما أُحسن تدبيرها، فالدخول إلى سوق السندات قد يشكل رافعة لتحديث تدبير المالية الترابية، ويفرض قدراً أعلى من الانضباط، ويجبر الفاعلين المحليين على تحسين جودة المشاريع، وربط التمويل بمؤشرات أداء واضحة.
لكن هذا الرهان يظل مشروطاً بمنظومة صارمة من الضوابط: تأطير قانوني دقيق، مراقبة مركزية لسقوف المديونية، تصنيف ائتماني مستقل، وربط مباشر بين الأموال المعبأة والمشاريع الممولة، إضافة إلى نشر دوري لمؤشرات الإنجاز والفعالية.
كما أن تقليل المخاطر يمر أيضاً عبر التفكير في بدائل موازية أو مكملة، مثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، أو اللجوء إلى التمويل الدولي بشروط ميسرة، أو حتى تطوير أدوات مثل السندات الخضراء والاجتماعية التي أصبحت تجذب سيولة عالمية تبحث عن أثر تنموي وبيئي واضح.
وإجمالا نحن أمام خيار مالي ليس تقنياً فقط، بل سياسي وتنموي بامتياز. نجاحه لن يُقاس بحجم الأموال المعبأة، بل بقدرته على تحويل الدين إلى قيمة مضافة، بدل أن يتحول إلى عبء مؤجل. وفي غياب ذلك، قد يتحول هذا “التحديث المالي” إلى مجرد توسعة في دائرة المديونية، بدل أن يكون خطوة نحو تنمية أكثر استدامة وفعالية.





