ترحيل لافيراي السالمية: حين يكشف الارتجال حدود التدبير الحضري

بشرى عطوشي

رأي_ ترحيل تجار الخردة من سوق السالمية في الدار البيضاء يكشف مرة أخرى عن مفارقة صارخة في تدبير المشاريع الحضرية الكبرى.

قرارات حاسمة تُتخذ، لكن تنزيلها ميدانيًا يتم بمنطق الارتجال. ما يُفترض أن يكون نموذجًا لإعادة الهيكلة والتنظيم، تحول على أرض الواقع إلى حالة ارتباك جماعي، يدفع ثمنها أساسًا صغار التجار والمهنيون الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد دون تمهيد كافٍ.

من حيث المبدأ، لا أحد يجادل في ضرورة إعادة تنظيم قطاع الخردة، ولا في حاجة المدينة إلى تحرير أوعيتها العقارية لمشاريع مهيكلة، غير أن الإشكال لا يكمن في القرار، بل في كيفية تنزيله.

يبدو واضحًا أن عملية الترحيل لم تُبنَ على برمجة دقيقة تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات هذا النشاط، سواء من حيث طبيعته اللوجستية أو تركيبته الاجتماعية والمهنية، فالتاجر هنا لا ينقل سلعة خفيفة أو نشاطًا بسيطًا، بل منظومة كاملة من المعدات الثقيلة، والعلاقات التجارية، وسلاسل التوريد غير الرسمية التي تشكل عماد هذا السوق منذ سنوات.

الفوضى التي رافقت العملية لم تكن مفاجئة، بل كانت نتيجة حتمية لغياب رؤية انتقالية واضحة، فكيف يمكن مطالبة مئات التجار بإخلاء فضاء اشتغلوا فيه لعقود، دون توفير بديل جاهز بنفس الجاذبية الاقتصادية؟ وكيف يمكن الحديث عن “تنظيم” في ظل غموض يلف لوائح المستفيدين، وغياب معايير شفافة تحدد من له الحق في الاستفادة ومن يتم إقصاؤه؟ هذه الأسئلة لم تجد لها أجوبة ميدانية، وهو ما فتح الباب أمام التأويلات والاحتقان.

الأكثر دلالة هو ضعف التواصل المؤسساتي خلال مختلف مراحل العملية. فبدل اعتماد مقاربة تشاركية تُشرك المهنيين وتُطمئنهم، تم اللجوء إلى أسلوب الإخبار المتأخر أو غير المكتمل، مما عمّق فجوة الثقة بين المتدخلين.

وفي مثل هذه الملفات الحساسة، لا يقل التواصل أهمية عن القرار نفسه، لأنه يشكل عنصرًا حاسمًا في ضمان الانخراط وتفادي التوتر.

كما أن البعد اللوجستي تم التعامل معه بخفة غير مبررة. نقل نشاط بحجم “لافيراي” يتطلب تخطيطًا مرحليًا دقيقًا، يشمل جدولة زمنية واضحة، ووسائل نقل مهيأة، وفضاءات استقبال جاهزة للاشتغال الفوري، أما ما حدث، فيوحي بأن الترحيل تم بمنطق الاستعجال، دون تأمين شروط الاستمرارية الاقتصادية للتجار، وهو ما يهدد بتحويل عملية التنظيم إلى مجرد نقل للفوضى من موقع إلى آخر.

هذا الوضع يعكس إشكالًا أعمق في تدبير التحولات الحضرية بالمدينة: التركيز على النتيجة النهائية دون الاستثمار الكافي في مرحلة الانتقال.

فالمشاريع الكبرى لا تُقاس فقط بما ستُنتجه من بنى تحتية، بل أيضًا بقدرتها على تدبير الأثر الاجتماعي والاقتصادي على الفئات المعنية. وفي حالة سوق السالمية، يبدو أن هذا البعد تم التقليل من أهميته، رغم حساسيته.

وعموما ، ما يجري اليوم ليس رفضًا للتنظيم بقدر ما هو رفض لطريقة فرضه، فالتاجر الذي يشعر بأنه شريك في القرار، ومستفيد من نتائجه، سينخرط فيه دون تردد، أما حين يُفرض عليه التغيير في سياق ضبابي، فإن النتيجة الطبيعية هي الارتباك والمقاومة الصامتة.

لذلك، فإن إعادة النظر في منهجية الترحيل، واعتماد برمجة مسبقة دقيقة، وتواصل شفاف، لم تعد خيارات تكميلية، بل شروطًا أساسية لإنجاح أي مشروع مماثل في المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى