سوق الحواسيب الاحترافية بالمغرب: طلب مرتفع وعرض نادر يلهب الأسعار

بشرى عطوشي
تحليل_ يشهد سوق الحواسيب عالية التقنية في المغرب مفارقة لافتة: الطلب حاضر بقوة، بل في بعض الفترات يتجاوز العرض بكثير، غير أن الكميات المتوفرة تبقى محدودة، وأسعارها ترتفع إلى مستويات مضاعفة، ما يخلق حالة من الجمود غير المفهومة ظاهريًا، لكنها في العمق تعكس اختلالًا حقيقيًا في سلاسل التوريد وآليات التسعير.
المهنيون يؤكدون أن الإشكال لم يعد في ضعف الإقبال، بل في ندرة المنتوج. ففئات واسعة من الزبناء، خصوصًا العاملين في مجالات التصميم والهندسة والبرمجة، تبحث بشكل مستمر عن حواسيب ذات أداء عالٍ، لكنهم يصطدمون بواقع سوق لا يوفر سوى خيارات محدودة وبأثمنة مرتفعة بشكل غير مبرر أحيانًا. هذه الندرة خلقت نوعًا من “الطلب المكبوت”، حيث تتراكم الرغبة في الشراء دون أن تجد عرضًا كافيًا لتلبيتها.
في المقابل، يعيش التجار حالة من التردد غير المسبوق. فرغم وعيهم بوجود الطلب، إلا أن ارتفاع كلفة الاستيراد بشكل كبير، أحيانًا إلى الضعف، يجعلهم يحجمون عن الدخول في صفقات كبيرة. فالمخاطرة هنا مزدوجة: من جهة، يتطلب استيراد هذه الأجهزة رأسمال مرتفعًا، ومن جهة أخرى، تبقى القدرة الشرائية للزبون محدودة، ما قد يؤدي إلى بطء في تصريف السلع رغم الحاجة إليها. هذا التناقض يدفع التجار إلى الاكتفاء بتدبير المخزون الحالي بحذر شديد، بدل المغامرة بجلب كميات جديدة.
العوامل التي تقف وراء هذا الوضع متعددة. فارتفاع أسعار الحواسيب عالميًا، خاصة تلك المجهزة بمكونات متقدمة، تزامن مع زيادة تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب تقلبات سعر الصرف. كما أن بعض الموردين الدوليين أصبحوا يفضلون أسواقًا أكبر وأكثر استقرارًا، ما يقلص من حصة السوق المغربية في التزود بهذه الفئة من الأجهزة. النتيجة هي سوق محلية تعاني من ضعف التزويد، رغم وجود طلب فعلي.
هذا الاختلال بين عرض محدود وطلب مرتفع يؤدي بشكل طبيعي إلى تضخم الأسعار. فحين تكون الكميات قليلة، يميل بعض المتدخلين إلى رفع الهوامش لتعويض المخاطر، ما يفاقم الوضع أكثر. وفي غياب منافسة قوية أو بدائل كافية، يجد المستهلك نفسه أمام خيارات محدودة، إما القبول بالسعر المرتفع أو تأجيل الشراء.
في العمق، يكشف هذا الوضع عن حاجة ملحة لإعادة تنظيم قنوات التوريد، وتحسين قدرة السوق على التفاعل مع الطلب الحقيقي. فاستمرار هذا الخصاص لا يؤثر فقط على نشاط التجار، بل ينعكس أيضًا على قطاعات مهنية تعتمد بشكل مباشر على هذه الأجهزة في إنتاجيتها. وبين طلب متزايد وعرض متراجع، يبقى السوق عالقًا في حالة انتظار، إلى أن تتضح الرؤية أو تتدخل عوامل جديدة تعيد التوازن المفقود.





