العدالة والتنمية يخلط أوراقه الانتخابية.. لماذا غادر الأزمي فاس نحو تمارة؟

حسين العياشي
ينقل حزب العدالة والتنمية أحد أبرز قياداته، إدريس الأزمي الإدريسي، من معقله الانتخابي التقليدي بفاس الجنوبية إلى دائرة الصخيرات–تمارة، في خطوة مفاجئة تعيد خلط أوراق ترشيحاته قبيل الاستحقاقات المقبلة، وتفتح في الآن ذاته باب التأويلات حول خلفيات هذا التحول في الجغرافيا السياسية للحزب، بين قراءة تعتبره محاولة لإعادة التموضع واستدراك التراجع، وأخرى تراه انعكاساً لارتباك تنظيمي أعمق.
هذا القرار لم يمر بصمت داخل الأوساط السياسية والحزبية بالإقليم، بل أثار نقاشاً واسعاً حول منطق “ترحيل” المرشحين بين الدوائر، في مقابل ما يعتبره فاعلون محليون تراجعاً في منسوب الثقة في الكفاءات الحزبية بالمنطقة. فاختيار اسم من خارج المجال الترابي للدائرة أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً حول كيفية تدبير الأحزاب لخرائطها الانتخابية، وحدود اعتمادها على النخب المحلية في مواجهة رهانات التنافس السياسي.
ويأتي هذا التحول في سياق عام يعيشه الحزب منذ انتخابات 2021، التي شكلت نقطة انعطاف حادة في مساره، بعدما انتقل من موقع الصدارة إلى موقع التراجع غير المسبوق. هذا التحول، وفق عدد من المتابعين، لم يكن مجرد خسارة انتخابية عابرة، بل كشف عن اختلالات بنيوية داخل التنظيم، انعكست على طريقة تدبيره لمرحلة ما بعد النكسة، وعلى اختياراته المرتبطة بإعادة بناء حضوره الميداني.
في هذا الإطار، يُقرأ ترشيح الأزمي بدائرة الصخيرات–تمارة كجزء من محاولة لإعادة الانتشار في دوائر جديدة، غير أن هذه المقاربة تصطدم، بحسب قراءات محلية، بواقع تنظيمي يصفه البعض بالهش داخل الإقليم، حيث لم يتمكن الحزب، خلال السنوات الأخيرة، من ترسيخ امتداد ميداني قوي قادر على منافسة الأحزاب التي راكمت حضوراً انتخابياً وشبكات علاقات محلية متجذرة.
ولا يتوقف الجدل عند حدود الخلفيات التنظيمية، بل يمتد إلى جدوى الرهان على نفس الوجوه السياسية في سياقات انتخابية متغيرة. فالأزمي، رغم مكانته داخل الحزب وتجربته السياسية، يجد نفسه أمام دائرة تختلف في توازناتها ومعطياتها عن تلك التي اعتاد خوض غمارها، ما يطرح تحدياً حقيقياً يتعلق بقدرته على التكيف مع بيئة انتخابية جديدة لا تحكمها نفس القواعد ولا نفس شبكات التأثير.
وعلى مستوى موازين القوى داخل دائرة الصخيرات–تمارة، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، في ظل حضور أسماء وازنة تمثل أحزاباً ذات امتداد محلي قوي. فمحمد الهلالي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، يجمع بين التمثيل البرلماني ورئاسة جماعة الصباح، مستنداً إلى شبكة علاقات محلية وعائلية تعزز موقعه الانتخابي. كما يحافظ رشيد الحمري، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، على موقعه داخل دائرة التنافس، مدعوماً بثقة قيادته الحزبية التي تراهن على استمراريته.
في المقابل، يبرز حسن عاريف، عن حزب الاتحاد الدستوري، كأحد أبرز الوجوه الانتخابية بالمنطقة، مستفيداً من حضوره المحلي كرئيس لجماعة عين عودة وتجربته البرلمانية، بينما تظل حظوظ مرشح حزب الاستقلال، رشيد ساجد، رهينة بمدى قدرة حزبه على تعبئة قواعده واستعادة زخمه التنظيمي في دائرة لا تترك هامشاً كبيراً للارتجال.
وسط هذا المشهد المتشابك، يبدو دخول الأزمي إلى هذا المعترك الانتخابي أقرب إلى مغامرة سياسية محفوفة بالتحديات، حيث تتداخل حسابات التنظيم مع تعقيدات الواقع المحلي، وتصبح القدرة على الإقناع الميداني عاملاً حاسماً يتجاوز ثقل الاسم أو رمزيته داخل الحزب.
وبين من يرى في هذه الخطوة محاولة لإعادة تموقع سياسي في خريطة انتخابية متغيرة، ومن يقرأها كدليل على صعوبات داخلية في إنتاج نخب محلية قادرة على المنافسة، يظل النقاش مفتوحاً، تغذيه تساؤلات حول طبيعة الاختيارات الحزبية وحدود نجاعتها في سياق انتخابي يزداد تعقيداً.
وفي نهاية المطاف، تبقى صناديق الاقتراع الفيصل الوحيد في حسم هذا الجدل، في مشهد انتخابي لا يعكس فقط صراع الأسماء، بل يكشف أيضاً عن تحولات أعمق في علاقة الأحزاب بامتداداتها الترابية، وفي قدرتها على التكيف مع مزاج انتخابي لم يعد يساير منطق الولاءات التقليدية بقدر ما يبحث عن الفعالية والتمثيلية القريبة من نبض المجال المحلي.





