نخب مهمشة وإصلاح مرتبك.. من يعطّل تدبير الكفاءات في قطاع الصحة؟

حسين العياشي
يُعيد فتحُ ورش إصلاح المنظومة الصحية أسئلةً مؤجلة أكثر مما يقدّم أجوبة نهائية، إذ سرعان ما يتجاوز النقاش حدود البنيات والتجهيزات ليصطدم بجوهر أكثر حساسية: موقع الكفاءات داخل هندسة القرار والتدبير. فكل مشروع إصلاحي، مهما بدا متماسكاً على الورق، يظل هشّاً ما لم يُحسن تحويل الموارد البشرية من مجرد أرقام في التقارير إلى طاقة فاعلة تقود التحول وتمنحه روحه.
في هذا السياق الملتبس بين طموح التحديث وحدود الواقع، يطفو ملف المدرسة الوطنية للصحة العمومية من جديد على سطح النقاش، لا كقضية فئوية عابرة، بل كمدخل كاشف لاختلال أعمق في العلاقة بين التكوين والتشغيل. ومن هذه الزاوية بالذات، اختارت النائبة البرلمانية إلهام الساقي أن تطرق باب المساءلة، عبر سؤال كتابي موجّه إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، واضعة بذلك أحد أكثر مفاصل الإصلاح دقة تحت الضوء المؤسساتي.
غير أن القضية، في عمقها، لا تتعلق فقط بمؤسسة تكوينية أو بمسار إداري، بل بسؤال يكاد يختزل مفارقة الإصلاح برمّته: ماذا بعد التكوين؟ وأي موقع يُتاح لهذه الكفاءات داخل منظومة صحية تعلن، في كل مناسبة، حاجتها الماسة إلى أطر قادرة على التدبير وصناعة القرار؟ هنا يتجاوز النقاش حدوده التقنية ليغدو مساءلة صريحة لجدوى السياسات العمومية في تدبير رأسمالها البشري.
لقد راكمت المدرسة الوطنية للصحة العمومية، بوصفها امتداداً لتجربة المعهد الوطني للإدارة الصحية، رصيداً معتبراً في تكوين أطر عليا تجمع بين الصرامة الأكاديمية والقدرة على فهم تعقيدات السياسات الصحية وتدبير المؤسسات. ومن بين جدرانها خرجت كفاءات كان يُفترض أن تشكل رافعة حقيقية لتحديث المنظومة وتعزيز حكامتها، خاصة في ظرفية تتطلب عقليات قادرة على الربط بين المعرفة التقنية والرؤية الاستراتيجية.
لكن هذا المسار، كما تكشفه الوقائع، لا يكتمل دائماً. فعدد من الخريجين يجدون أنفسهم في منطقة رمادية، تتقاطع فيها محدودية فرص الإدماج مع غياب مسارات واضحة تتيح لهم الاضطلاع بالأدوار التي أُعدّوا لها. وهنا تحديداً يتجلى الخلل البنيوي: منظومة تستثمر في التكوين بكلفة عالية، لكنها تعجز عن استيعاب مخرجاته أو توظيفها في مواقع التأثير.
السؤال الذي أعادته البرلمانية إلى واجهة النقاش لا يكتفي بتشخيص هذا الوضع، بل يتجه نحو مساءلة مباشرة للحكومة بشأن التدابير المزمع اتخاذها لدعم هذه المؤسسة وتعزيز مكانتها داخل منظومة التكوين الصحي، بما يمكّنها من مواكبة الأوراش الإصلاحية الجارية. كما يطرح، في الآن ذاته، إشكالية إنصاف خريجيها عبر تمكينهم من اندماج فعلي يراعي مؤهلاتهم ويضمن تكافؤ الفرص، بعيداً عن منطق الانتظار أو التوظيف غير المنسجم مع التخصص.
ويأتي هذا النقاش في لحظة مفصلية تسعى فيها الدولة إلى إعادة هيكلة القطاع الصحي، من خلال تحسين حكامته وتوسيع عرضه وتعزيز موارده البشرية. غير أن هذا الطموح، رغم وجاهته، يظل معلقاً على شرط جوهري: تحقيق انسجام فعلي بين مخرجات التكوين وحاجيات الميدان، وبين الاستثمار في الإنسان وتمكينه من مواقع القرار.
في العمق، يتجاوز هذا الملف حدود مؤسسة بعينها ليطرح سؤالاً أكبر يتعلق بكيفية تدبير الرأسمال البشري داخل المنظومة الصحية ككل. فالتحدي لم يعد في تكوين الكفاءات فقط، بل في خلق شروط الاستفادة منها، وتحويلها إلى قوة اقتراح وتدبير قادرة على إحداث الأثر. وهو ما يفرض، بالضرورة، الانتقال من منطق إداري تقليدي إلى رؤية أكثر دينامية، تجعل من الكفاءة معياراً فعلياً لتقلد المسؤولية، لا مجرد عنوان نظري في وثائق الإصلاح.
وبين الحاجة المتزايدة إلى موارد بشرية مؤهلة، واستمرار صعوبات إدماجها داخل المنظومة، يتجدد السؤال الذي يختزل عمق الإشكال: هل نحن أمام أزمة إمكانات، أم أمام اختلال في الرؤية؟ سؤال يبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، في ظل ورش إصلاحي لن يكتمل ما لم يضع الكفاءة في قلب معادلة التغيير، لا على هامشها.





