الوضع تحت السيطرة..هكذا تدير الحكومة الأزمات بعيدا عن الواقع المعاش

بشرى عطوشي
اليوم بإحدى محطات الوقود بسلا الجديدة، وفي إطار تعبئة خزان سيارتي ببضع لترات من الغازوال، تفاجأت بأن هذه المحطة فارغة من السيارات، فقلت في قرارة نفسي ربما لم يتبق غازوال؟ وبالفعل وجدت عامل المحطة يقول لي بأن الغازوال نفذ، فيما يمكنني تعبئة النوع الثاني من الغازوال أو ما يسمونه “إيكسيليوم”.
رفضت أن أملأ خزان سيارتي بهذا “الإيكسيليوم”، لأن سعر اللتر الواحد منه، يصل ل16 درهما و51 سنتيم، لأجد عامل المحطة يقول لي لا فرق في السعر سوى درهم واحد، ضحكت وقلت له، الفرق ليس كبير جدا، لأننا اعتدنا على زيادة الدراهم.
ففي كل يوم يصطدم المواطن المغربي، بكل أوجه الاحتكار والاحتيال، والمناورة والغموض في التعامل معه، فهذا النوع من الغازوال “الإكسيليوم” يتفادى المواطن يوميا أن يملأ به خزانه لأنه دائما مرتفع الثمن، ولأن أصحاب المحطات، وجدوا أنه هو النوع الوحيد الذي لا يستهلك ولأنهم استغلوا هذه الظرفية التي لا يعرف فيها المواطن الشيء الكثير عن المخزون، وإجبارا له على شراء هذا الغازوال، فقد ادعوا أنه لم يتبق مخزون من الغازوال، حتى يدعن هذا المستهلك، لتوجهاتهم، ويقبل بهذا الغازوال.
إذا كان المواطن، قد أنهكته هذه الدراهم التي كانت تزيد حتى قبل وقوع أزمة الشرق الأوسط، فكيف سيقبل هو نفسه أن يزيد عبء محفظته درهما آخر؟
في ظل هذه التوطئة، لا بد من الوقوف على أن الحكومة التي ظل رئيسها يهلل ويعيد أن حكومته عانت من الجفاف وتبعات كوفيد، وأزمات حرب أوكرانيا وحرب الشرق الأوسط، لم تعتبر من أي أزمة، ولم تقم بما يحفظ للمواطن كرامته، بل سعت إلى كسب الرهانات عبر تحقيق أرقام وصرف الملايير من الدراهم دون أن يعود ذلك بالنفع على البسطاء والمتطلعين للعيش الكريم.
على العكس فقد نسي رئيس الحكومة أن يذكر أثناء خطابه السريالي عن حصيلة حكومته، أن المنتفعين من هذه الأزمات هم ما بات يسمى بالفراقشية، والوسطاء، والسماسرة.
وحتى لا ننسى، وللتذكير فقد كان عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة السابق، سببا مباشرا في كل هذه التراجيديا، حيث كان سببا في تحرير المحروقات، وتحرير الأسعار، ووضع الطبقة المتوسطة على حافة الانهيار.
قوله بأنه كان يحارب العفاريت والتماسيح، وبأنه كان يريد أن يكسر شوكة المستفيدين، كان خاطئا، فقد اتضح فيما بعد أن المعاول كلها كانت موجهة لهدم العامل البسيط والموظف الذي كان يحلم بركوب سيارة، والفلاح البسيط، وكل مكونات الطبقة المتوسطة.
حاليًا، 29 في المائة، أي ما يقارب ثلث المواطنين، مُجبرون على تقليل وجبات الطعام لأن دراهمهم لم تعد تكفي، فقد أصبح الدفع أثناء شراء شيء ما يشبه التعذيب اليومي.
أعجب لا بل يدهشني قول الناطق الرسمي باسم الحكومة حين يظهر رضاه التام على الوضع وبأن الأمور تحت السيطرة، ربما هي تحت السيطرة لكن ليست لصالح البسطاء، هي تحت السيطرة لصالح من تربعوا على كراسي الريع والفساد.
الأمور تحت السيطرة ولكن ليست لصالح 56 في المائة من المغاربة الذين اضطروا إلى تقليص ميزانيتهم الغذائية بشكلٍ كبير لمجرد أملهم في تدبير أمورهم حتى نهاية الشهر.
خاصةً الآن، مع ارتفاع أسعار الوقود، هل ندفع ثمن الطعام أكثر مما ندفع لتعبئة خزانات سياراتنا للذهاب إلى العمل؟
أكثر ما يُثير الاستياء في هذا الخطاب الرسمي هو ميلنا إلى طمأنة أنفسنا بالنظر إلى معاناة الآخرين، أحيانا يُقال لنا، بنبرةٍ توحي بالسلطة، إن وضعنا أفضل من لبنان وسوريا، وكلاهما مدمر بفعل الحرب، هل هذا حقًا هو مقياس النجاح؟ أن نفرح ببقائنا على قيد الحياة بينما يغرق آخرون؟
غرور ليس بعده غرور، فاستخدام معاناة 70 في المائة من السوريين للتغطية على قصور في السياسات المتبعة هو بالفعل نوع من أنواع التنمر.
تبدو أوضاعنا اليوم أكثر سوءا من معاناة من دمرتهم آلة الحرب، لأنه للأسف، أصبحنا نجد أنفسنا وسط حرب مع أنفسنا مع بعضنا، دمرتنا الحرب التي يقودها السماسرة والفراقشية، دمرتنا الحروب التي يقودها الانتهازيون، والمحتالون، والغشاشون، وضعنا اليوم أكثر سوءا، لأننا أصبحنا لا ندري ما يجري ولا نعلم ما يحصل، بقدر ما نجد أن الأغنياء يزيدون غنى والفقراء يندحرون تحت عتبة الفقر، ويعيشون أسوأ الحروب.





