أزمة الإيجار بالمدن الكبرى.. هكذا تُهدم البيوت وتسرق السكينة من الأسر!!

بشرى عطوشي
تحليل- تتسارع حملات هدم البنايات غير المرخصة في عدد من المدن المغربية الكبرى، في وقت يشهد فيه سوق الإيجار ارتفاعاً متواصلاً، ما يضع آلاف الأسر أمام واقع مفاجئ: فقدان السكن دون بديل جاهز.
هذا التداخل بين قرارات التعمير وضغط السوق خلق وضعاً هشاً، حيث تجد الأسر نفسها مضطرة للبحث عن كراء مكلف أو اللجوء إلى حلول مؤقتة لا تضمن الحد الأدنى من الاستقرار.
المشهد يتكرر في الدار البيضاء وفاس ومراكش وطنجة، خاصة في الأحياء الهامشية التي طالتها عمليات الهدم، أسر كانت تقطن منذ سنوات تُرحَّل في ظرف وجيز، لتصطدم بسوق يهيمن عليه الطلب المرتفع وقلة العرض.
في حالات كثيرة، تستهلك تكاليف الإيجار الجزء الأكبر من دخل الأسر، ما يعمق هشاشتها الاجتماعية ويحد من قدرتها على الاستقرار أو الادخار.
الأزمة ليست ظرفية، بل نتيجة تراكم عوامل بنيوية، أولها تنفيذ عمليات الهدم دون مواكبة سكنية فورية، ما يخلق فجوة زمنية خطيرة بين الإخلاء وإعادة الإيواء، ثانيها الضغط الديمغرافي والهجرة الداخلية نحو المدن، مقابل عرض سكني غير كافٍ، خاصة في فئة الإيجار الميسر، ثالثها تحول عدد متزايد من الشقق نحو الإيجار السياحي القصير، ما يقلص العرض المتاح للسكان المحليين ويرفع الأسعار.
يضاف إلى ذلك ضعف التأطير القانوني لسوق الإيجار، حيث تبقى الزيادات في كثير من الأحيان خاضعة لمنطق السوق دون ضوابط فعالة، في ظل مساطر قانونية معقدة لا تشجع المستأجرين على اللجوء إليها، كما تلعب المضاربة العقارية دوراً في رفع الأسعار، بالتوازي مع تراجع القدرة الشرائية، ما يوسع الفجوة بين الدخل وكلفة السكن.
على مستوى السياسات العمومية، ورغم تعدد البرامج، ما تزال الإشكالات قائمة، السكن الاجتماعي، في كثير من الحالات، يتمركز في ضواحٍ بعيدة تفتقر إلى فرص الشغل والخدمات، ما يقلل من جاذبيته للفئات المستهدفة.
كما أن شروط الاستفادة تُقصي شريحة واسعة من ذوي الدخل غير المنتظم، وهم الأكثر عرضة للأزمة. ويبرز أيضاً ضعف التنسيق بين الجهات المتدخلة، خاصة بين مساطر الهدم وآليات إعادة الإيواء.
أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة إلى تدخلات أكثر تماسكاً. ربط عمليات الهدم بإيواء فوري للأسر المعنية يمثل أولوية لتفادي السقوط في الهشاشة. كما يفرض الواقع مراجعة الإطار القانوني للإيجار لضبط الزيادات وتعزيز الشفافية، إلى جانب تنظيم الإيجار السياحي بما يضمن توازناً بين النشاط الاقتصادي والحق في السكن.
إعادة توجيه السكن الاجتماعي نحو الاندماج داخل المدن، بدل دفعه إلى الهوامش، تظل خطوة أساسية لتحقيق استقرار فعلي، كما أن توحيد حكامة قطاع السكن وتعزيز التنسيق بين المتدخلين يمكن أن يحد من الاختلالات الحالية ويضمن نجاعة أكبر للبرامج.
في المحصلة، أزمة الإيجار لم تعد مجرد خلل في السوق، بل مؤشرا على اختلال أعمق في تدبير المجال الحضري. تجاوزها يمر عبر مقاربة تضع السكن في صلب السياسات العمومية، باعتباره حقاً أساسياً لا مجرد سلعة خاضعة لتقلبات العرض والطلب.





