ظهور مفاجئ لمضيان بعد الحكم الاستئنافي.. وصوره مع وهبي تفجّر الجدل داخل البرلمان!

حسين العياشي
يعيد حضور نور الدين مضيان داخل البرلمان، في توقيت دقيق أعقب تأييد الحكم الاستئنافي الصادر في حقه، فتح نقاش هادئ في الظاهر، عميق في جوهره، حول الكيفية التي يدير بها الفاعل السياسي أزماته حين تتقاطع دوائر السياسة مع مسارات القضاء.
في مثل هذه اللحظات، يكون الصمت خيارًا مريحًا، والتواري تكتيكًا مألوفًا. غير أن مضيان اختار مسارًا مغايرًا، إذ فضّل الاستمرار في الحضور داخل المؤسسة التشريعية، ومواكبة أشغال لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، حيث كان مشروع قانون مهنة المحاماة موضوع نقاش مفصل. حضور لم يمر مرور الكرام، لا بسبب طبيعته، بل بسبب توقيته، وما رافقه من صور ومشاهد أعادت ترتيب زوايا القراءة لدى المتابعين.

فداخل أروقة البرلمان، لم يكن لافتًا فقط وجود مضيان، بل أيضًا تكرار ظهوره إلى جانب وزير العدل عبد اللطيف وهبي في أكثر من محطة. مشهد بسيط في شكله، لكنه محمّل بإشارات في نظر جزء من الرأي العام، الذي قرأ فيه ما يتجاوز حدود الصدفة البروتوكولية إلى احتمالات تقارب سياسي في لحظة حساسة. وهنا تحديدًا، تبدأ المسافة بين الصورة وتأويلها في الاتساع.
بعض القراءات ذهبت إلى اعتبار هذا الحضور محاولة لإعادة التموضع داخل شبكة العلاقات السياسية، وربما البحث عن هامش مناورة يخفف من ضغط الظرف القضائي. فيما رأى آخرون أن الأمر لا يعدو أن يكون امتداداً طبيعياً لدور برلماني لم يتوقف، حتى في خضم العاصفة. بين هذين التقديرين، يتحرك النقاش في منطقة رمادية، حيث تختلط الوقائع بالانطباعات.
غير أن مضيان، مدركاً لحساسية اللحظة، سارع إلى وضع حد لهذه التأويلات، مؤكداً بشكل واضح في تصريحه لـ”إعلام تيفي“، أن ملفه القضائي لم يكن موضوع أي نقاش مع وزير العدل، وأن تواصلهما ظل محصوراً في الإطار التشريعي المرتبط بمشروع قانون المحاماة. تأكيد ينسجم مع القاعدة الدستورية التي تفصل بين السلط، ويعيد النقاش إلى مربعه المؤسساتي، بعيداً عن أي ربط قد يُفهم منه تأثير محتمل على مسار العدالة.
لكن في السياسة، لا تكفي الوقائع وحدها، فالصورة أيضاً فاعل صامت. وكلما كانت اللحظة مشحونة، ازدادت قابليتها لإنتاج التأويلات. وهو ما يجعل من كل حركة محسوبة، ومن كل حضور قابلاً لأن يُقرأ بأكثر من زاوية، خاصة عندما يتعلق الأمر بملف لم يُغلق بعد.

في موازاة ذلك، حاول مضيان أن يرسّخ حضوره داخل اللجنة من زاوية مهنية صرفة، وفق تصريحه، من خلال مداخلة اتسمت بنَفَس تقني، تناولت عددًا من مقتضيات مشروع قانون المحاماة. فقد انتقد شروط ولوج الأساتذة الجامعيين إلى المهنة، معتبرًا أنها لا تعكس وزنهم الأكاديمي، كما أثار مسألة التمييز بينهم وبين القضاة في الولوج بعد التقاعد، ودافع عن تمكين طلبة كليات الشريعة من حق الولوج، في طرح يستند إلى منطق المساواة وتكافؤ الفرص.
غير أن هذا الحضور التشريعي، مهما بدا تقنيًا، لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع. فمضيان، الذي سبق أن أعلن تجميد مسؤوليته داخل الفريق الاستقلالي في ذروة الجدل، يجد نفسه اليوم أمام معادلة دقيقة: كيف يستمر في أداء دوره السياسي دون أن يُقرأ ذلك كرسالة خاطئة؟ وكيف يحافظ على موقعه داخل الحزب دون أن يتحول إلى عنصر إرباك داخلي؟
في العمق، لا يتعلق الأمر بشخص أو واقعة معزولة، بل بنموذج أوسع يضع السياسي أمام اختبار مزدوج: اختبار القانون، حيث الكلمة الفصل للقضاء المستقل، واختبار الصورة، حيث تتحول الانطباعات إلى جزء من الحقيقة المتداولة. وبين هذين المستويين، تتشكل ملامح الفاعل السياسي في لحظات الأزمات.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المراحل المقبلة من المسار القضائي، يظل السؤال معلقاً في خلفية المشهد: هل يمكن فعلاً عزل السياسي عن سياقه القضائي في وعي الرأي العام؟ أم أن التداخل بين المجالين، وإن كان مرفوضًا مؤسساتيًا، يظل قائماً في مستوى الإدراك والتأويل؟





