هل فقدت الصحافة استقلالها في عهد أخنوش؟ تقرير دولي يفجر الجدل

إعلام تيفي
تقرير_وضع تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” رئيس الحكومة عزيز أخنوش في قلب النقاش حول واقع حرية الصحافة بالمغرب، مقدّمًا قراءة تتجاوز الأرقام إلى تفكيك مناخ إعلامي باتت ملامحه تُرسم عند تقاطع السياسة بالاقتصاد، وتتشكل فيه حدود التعبير تحت ضغط معادلات دقيقة لا تُرى دائماً بالعين المجردة.
فبينما سجّل المغرب تقدمًا بـ15 مركزًا في التصنيف العالمي، ليستقر في المرتبة 105، بدا هذا التحسن، وفق التقرير، أقرب إلى تحسن تقني لا يعكس تحولاً جوهرياً في طبيعة البيئة الإعلامية. فالبلد ما يزال ضمن الفئة ما قبل الأخيرة، بنقطة تقييم لا تتجاوز 50.55 من أصل 100، وهو ما يعيد طرح السؤال القديم المتجدد: هل تعكس الأرقام حقيقة المشهد، أم أنها تخفي وراءها تعقيدات أعمق؟
في خلفية هذا التصنيف، يرسم التقرير صورة لمشهد إعلامي يتأرجح بين تعددية شكلية وضغوط بنيوية، حيث تجد المنابر المنتقدة نفسها أمام هوامش تضيق تدريجياً، في مقابل صعود خطاب إعلامي أقرب إلى إعادة إنتاج الرواية الرسمية. وبين هذا وذاك، يتراجع الحق في الوصول إلى المعلومة، ليس باعتباره نصاً قانونياً فقط، بل كممارسة يومية تُختبر في تفاصيل العلاقة بين الصحافي ومصادر الخبر.
ويذهب التقرير أبعد من ذلك حين يربط هذا المناخ بالمرحلة الحكومية الحالية، مشيرًا إلى تصاعد اللجوء إلى القضاء في مواجهة الصحافيين، في سياق يُفهم منه أن القانون لم يعد فقط أداة لتنظيم المجال، بل تحول في بعض الحالات إلى عنصر ضغط يعيد رسم حدود المسموح والممنوع. غير أن الإشارة الأكثر إثارة للانتباه تظل تلك المتعلقة بتداخل النفوذ الاقتصادي مع الحقل الإعلامي، حيث يتحدث التقرير عن تأثير محتمل للقدرات المالية في توجيه الخطوط التحريرية لبعض المنابر، مقابل استمرار هشاشة مالية تضرب وسائل إعلام أخرى، خصوصاً تلك التي تتبنى مواقف نقدية.
هذا التوصيف يعيد إلى الواجهة معضلة قديمة في الإعلام المغربي، لكنها اليوم تبدو أكثر تعقيدًا: كيف يمكن ضمان استقلالية تحريرية في سوق إعلامية ترتبط فيها الاستدامة الاقتصادية، بشكل مباشر أو غير مباشر، بمصادر تمويل محدودة ومتداخلة مع مراكز القرار؟
ورغم هذا السياق الضاغط، لا يرسم التقرير صورة قاتمة بالكامل. فالهامش، وإن كان ضيقًا، لم يُغلق تمامًا. إذ تواصل بعض المنصات المستقلة الاشتغال، مستفيدة من التحولات الرقمية التي أعادت توزيع موازين القوة داخل الحقل الإعلامي. كما اختار عدد من الصحافيين الهجرة نحو الفضاء الرقمي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء بديل لإنتاج ونشر المحتوى، بل وإلى مصدر رئيسي للأخبار بالنسبة لشريحة واسعة من المغاربة.
غير أن هذا التحول، رغم ما يتيحه من فرص، يطرح بدوره أسئلة جديدة حول المهنية، والمصداقية، وحدود التأثير، في ظل بيئة رقمية مفتوحة يصعب ضبطها، لكنها في الوقت ذاته تعكس تعطشاً مجتمعياً لمصادر خبر متعددة، وربما أكثر جرأة.
في المحصلة، يبدو أن النقاش حول حرية الصحافة في المغرب لم يعد يختزل في ترتيب دولي أو رقم عابر، بل أصبح مرتبطاً بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة النموذج الإعلامي الذي يتشكل اليوم: هل نحن أمام انتقال نحو إعلام أكثر تحكماً وتنظيماً، أم أمام إعادة تشكيل غير مكتملة لفضاء يبحث عن توازن صعب بين الحرية والاستقرار، بين الاستقلالية ومتطلبات البقاء؟





