دعوات لتعزيز شروط الوقاية داخل أوراش البناء والأشغال العمومية

أميمة حدري
تتصاعد وتيرة النقاش حول شروط السلامة داخل أوراش البناء والأشغال العمومية بالمغرب، مع كل حادثة شغل تعيد إلى الواجهة سؤالاً مؤجلاً: كيف يمكن لقطاع يُفترض أن يكون قاطرة للتشغيل والنمو أن يتحول، في الآن ذاته، إلى فضاء محفوف بالمخاطر اليومية على حياة العاملات والعمال؟
في قلب هذا الجدل، اختارت المؤسسة التشريعية أن تفتح الملف من جديد، عبر سؤال كتابي وجّهته النائبة البرلمانية حنان اتركين إلى وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، مسلطة الضوء على اختلالات مستمرة في احترام شروط الوقاية والسلامة المهنية داخل عدد من الأوراش، حيث لا تزال معدات الحماية الفردية تُتعامل معها أحياناً كخيار ثانوي، بدل أن تكون شرطاً أساسياً لاشتغال أي ورش.
ما يثير القلق، وفق ما تضمنه السؤال البرلماني، ليس فقط تكرار حوادث الشغل، بل الطابع “العادي” الذي بدأت تكتسبه داخل بعض مواقع العمل، في ظل ضعف التكوين والتأطير، وغياب ثقافة مهنية قائمة على الوقاية الاستباقية بدل التدخل بعد وقوع الضرر. فالعامل، في كثير من الحالات، يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع مخاطر السقوط أو الإصابات الخطيرة دون الحد الأدنى من وسائل الحماية أو الإرشاد.
ورغم أن قطاع البناء والأشغال العمومية يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، ويوفر آلاف مناصب الشغل، إلا أن الوجه الآخر لهذا النشاط يكشف عن كلفة اجتماعية ثقيلة، حيث لا تقف تداعيات حوادث الشغل عند حدود الإصابات الجسدية أو فقدان الأرواح، بل تمتد إلى زعزعة استقرار أسر بكاملها، وتغذية دائرة الهشاشة، في غياب ضمانات كافية لحماية الرأسمال البشري.
هذا التناقض بين الدينامية الاقتصادية والهشاشة المهنية يطرح، بحدة، سؤال نجاعة آليات المراقبة والتفتيش. فالمقتضيات القانونية موجودة، والنصوص المؤطرة واضحة، غير أن الإشكال يكمن في مدى تفعيلها على أرض الواقع. إذ تشير المعطيات المتداولة إلى محدودية تدخل أجهزة التفتيش، سواء من حيث الموارد البشرية أو من حيث القدرة على تغطية العدد الكبير من الأوراش المفتوحة عبر التراب الوطني.
وفي خلفية هذا النقاش، يبرز مطلب تشديد الزجر في حق المخالفين، ليس فقط كإجراء ردعي، بل كرسالة واضحة مفادها أن السلامة المهنية ليست تفصيلاً تقنياً يمكن تجاوزه، بل هي شرط جوهري لأي نشاط اقتصادي يحترم كرامة الإنسان. فالتساهل في هذا الجانب يفتح الباب أمام ممارسات تُغلب منطق الربح السريع على حساب أرواح العمال.
بالموازاة مع ذلك، تتجه الدعوات نحو إعادة الاعتبار لعنصر التكوين والتحسيس داخل الأوراش، باعتباره الحلقة المفقودة في كثير من الحالات. فترسيخ ثقافة الوقاية لا يمر فقط عبر القوانين، بل يحتاج إلى استثمار فعلي في تأهيل اليد العاملة، وتوعية المشغلين، وخلق بيئة عمل تُدرك أن السلامة ليست كلفة إضافية، بل استثمار في استدامة الإنتاج وجودته.
بين أوراش تُشيّد ملامح التنمية، وأخرى تكشف هشاشة شروط العمل، يجد قطاع البناء نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن يواصل التوسع بنفس المنطق الحالي، بكل ما يحمله من مخاطر، أو أن ينخرط في تحول عميق يجعل من السلامة المهنية أولوية غير قابلة للتفاوض. وفي هذا المفترق، يبدو أن النقاش البرلماني ليس سوى بداية لمسار أطول، عنوانه إعادة التوازن بين متطلبات النمو وحق العامل في بيئة عمل آمنة تحفظ حياته وكرامته.





