فاتح ماي يكشف المستور.. جمعية التحدي تدق ناقوس هشاشة النساء في سوق الشغل

حسين العياشي
بلاغ_ يسائل بيان جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، الصادر بمناسبة فاتح ماي، المعنى العميق للعدالة الاجتماعية في المغرب، وينقل النقاش من سطح الأرقام والمؤشرات إلى جوهر الاختلالات التي ما تزال تطبع علاقة النساء بالعمل، داخل القطاعين الخاص والعام. ففي لحظة تتقاطع فيها رهانات الحماية الاجتماعية مع تحولات سوق الشغل، تختار الجمعية أن تضع الأصبع على أكثر المناطق هشاشة وإغفالاً: العمل غير المؤدى عنه، والعمل الهش، والعنف الصامت داخل أماكن الشغل.
العمل غير المرئي.. اقتصاد قائم خارج الحسابات
تبدأ الجمعية من نقطة تبدو بديهية لكنها ظلت لعقود خارج النقاش العمومي: العمل المنزلي الذي تؤديه النساء يومياً دون مقابل. هذا العمل، الذي يُختزل في الوعي الجماعي في “واجب طبيعي”، يشكل في الواقع ركيزة أساسية لاستمرار الاقتصاد والمجتمع، من خلال إعادة إنتاج القوة العاملة وضمان استقرار الحياة اليومية. غير أن هذا الجهد الضخم يظل خارج أي تثمين اقتصادي أو إدماج فعلي في السياسات العمومية، ما يجعل النساء يتحملن عبئاً مزدوجاً: عمل غير معترف به داخل البيت، وصعوبات مضاعفة في الولوج إلى سوق الشغل خارجه.
وترى الجمعية أن استمرار هذا الوضع لا يعكس فقط خللاً في التقدير، بل يكرس بنية من اللامساواة تُبقي النساء في دائرة الهشاشة، داعية إلى إدماج اقتصاد الرعاية ضمن السياسات العمومية، واعتماد ميزانيات مستجيبة للنوع الاجتماعي تعكس القيمة الحقيقية لهذا العمل.
العاملات المنزليات.. قانون موجود وحماية ناقصة
في امتداد لهذا التشخيص، تنتقل الجمعية إلى وضعية العاملات المنزليات، اللواتي يمثلن إحدى أكثر الفئات هشاشة داخل سوق الشغل. فرغم صدور القانون المنظم لعملهن، ما تزال الفجوة قائمة بين النص والتطبيق، بالنظر إلى خصوصية فضاء العمل داخل المنازل، الذي يصعب إخضاعه لآليات المراقبة التقليدية.
هذا الواقع يجعل العديد من العاملات عرضة للاستغلال، وضعف الأجور، وغياب شروط العمل اللائق، في ظل محدودية التصريح بهن لدى الصناديق الاجتماعية. ومن هنا، تؤكد الجمعية ضرورة تقوية دور مفتشية الشغل، وتبسيط المساطر الإدارية، وضمان الولوج الفعلي إلى الحماية الاجتماعية، إلى جانب إرساء آليات مواكبة قانونية واجتماعية تحمي هذه الفئة من الهشاشة المركبة.
العاملات الزراعيات.. هشاشة تتنقل على الطرقات
وإذا كان العمل المنزلي يجري في صمت داخل البيوت، فإن معاناة العاملات الزراعيات تنكشف على الطرقات وفي الحقول، حيث تتقاطع مخاطر النقل غير الآمن مع ظروف عمل قاسية وغياب شبه تام للحماية الاجتماعية. تشير الجمعية إلى أن هذه الفئة تعيش وضعاً مقلقاً، يجعلها عرضة لحوادث متكررة وانتهاكات تمس كرامتها وسلامتها الجسدية.
وترى أن معالجة هذا الملف لم تعد تحتمل التأجيل، بل تستدعي تدخلاً حازماً يفرض احترام شروط العمل اللائق، ويشدد المراقبة داخل القطاع، ويضمن وسائل نقل آمنة تحفظ كرامة النساء العاملات، بدل تركهن في مواجهة يومية مع الخطر.
التحرش في العمل.. عنف صامت يتغذى من الهشاشة
ضمن نفس البنية غير المتوازنة، تبرز ظاهرة التحرش الجنسي في أماكن العمل كأحد أخطر أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي. فرغم تجريم هذا الفعل قانونياً، إلا أن الواقع يكشف عن استمرار حالات الصمت، نتيجة تداخل الهشاشة الاقتصادية مع علاقات السلطة داخل فضاءات العمل.
توضح الجمعية أن العديد من النساء يفضلن الصمت خوفاً من فقدان العمل أو التعرض للوصم، في ظل غياب آليات تبليغ آمنة، وصعوبة الإثبات، وضعف الحماية من الانتقام. وهو ما يجعل النصوص القانونية غير كافية بمفردها، ما لم تُدعّم بسياسات مؤسساتية واضحة تقوم على الوقاية والحماية وجبر الضرر.
بين النص والتطبيق.. الحاجة إلى بيئة عمل آمنة
انطلاقاً من هذا الواقع، تدعو الجمعية إلى تعزيز التنسيق بين المقتضيات الجنائية والاجتماعية، وإرساء آليات داخلية داخل المؤسسات تعتمد مدونات سلوك واضحة، وقنوات تبليغ آمنة، وتدابير لحماية الضحايا، بما يضمن بيئة عمل قائمة على الكرامة والمساواة، وليس فقط على الامتثال الشكلي للقانون.
دور الحضانة.. الحلقة المفقودة في تمكين النساء
وفي سياق الحديث عن شروط العمل اللائق، تبرز مسألة التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية كأحد أكبر التحديات التي تواجه النساء. وهنا تؤكد الجمعية على الأهمية المحورية لإحداث دور الحضانة داخل أماكن العمل، باعتبارها آلية عملية لتمكين النساء من الاستمرار في الشغل دون التضحية بأدوارهن الأسرية.
ورغم أن مدونة الشغل تنص على إمكانية إحداث هذه الفضاءات، إلا أن ضعف تفعيل هذا المقتضى، سواء في القطاع الخاص أو في بعض الإدارات العمومية، يجعل منه حقاً معلقاً، يكرس استمرار العراقيل التي تواجه النساء في مسارهن المهني. لذلك، تدعو الجمعية إلى جعل هذا الإجراء إلزامياً، مع ضمان شروط الجودة والسلامة.
نحو مقاربة شاملة.. العدالة تبدأ من الاعتراف
في خلاصة موقفها، تؤكد جمعية التحدي للمساواة والمواطنة أن تحقيق العمل اللائق للنساء لا يمكن أن يتم عبر إجراءات جزئية أو معزولة، بل يقتضي مقاربة شاملة تدمج بين الاعتراف بالعمل غير المؤدى عنه، وحماية العاملات في القطاعات الهشة، ومكافحة جميع أشكال العنف والتمييز داخل فضاءات العمل.
ففي عمق هذا النقاش، لا يتعلق الأمر فقط بتحسين شروط الشغل، بل بإعادة تعريف موقع النساء داخل الاقتصاد والمجتمع، بما يعزز استقلاليتهن الاقتصادية ويضمن كرامتهن. وبين النصوص القانونية والواقع اليومي، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل مبادئ المساواة إلى سياسات ملموسة، تمنح لفاتح ماي بعده الكامل: عيداً للشغل… وعداً بالعدالة.





