بنعلي تعيد رسم معالم قطاع المناجم.. الإنسان أولا والرقمنة في الواجهة

حسين العياشي
متابعة_قدّمت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، من داخل البرلمان، ملامح تصور حكومي جديد لإعادة بعث القطاع المعدني، واضعة بصمتها على ملف ظل لسنوات رهين مقاربات تقليدية لم تعد قادرة على مواكبة تحولات الاقتصاد ولا انتظارات الفاعلين والعمال على حد سواء.
ولم تخفِ بنعلي أن انطلاقة هذا الورش الإصلاحي ارتبطت بصدمة إنسانية قوية، حين وجدت نفسها، في الأسابيع الأولى من تحملها المسؤولية، أمام حادث مأساوي أودى بحياة خمسة عمال منجميين. تلك الواقعة لم تكن، في خطابها، مجرد حادث عرضي، بل شكلت نقطة تحول دفعتها إلى مراجعة عميقة لمشروع قانون المناجم، وصولاً إلى سحبه وإعادة صياغته على أسس جديدة تضع سلامة العامل وكرامته في قلب المنظومة.
ومن هذا المنطلق، حرصت الوزيرة على التأكيد أن النص القانوني المرتقب لن يكون مجرد تعديل تقني، بل يحمل رؤية مختلفة، من خلال إحداث بطاقة مهنية للعامل المنجمي وتشديد العقوبات المرتبطة بالإهمال، في رسالة واضحة مفادها أن الدولة لم تعد تقبل بأن يكون الاستثمار على حساب الأرواح. فبالنسبة لها، تظل كلفة الوقاية أقل بكثير من كلفة الفقد، وهو ما يعكس تحوّلاً في فلسفة التدبير من منطق الإنتاج إلى منطق الحماية أولاً.
وفي موازاة هذا الورش التشريعي، دفعت بنعلي بقوة نحو تسريع رقمنة القطاع، معتبرة أن تحديث الإدارة المنجمية شرط أساسي لجعل المغرب وجهة أكثر جاذبية للاستثمار. وفي هذا الإطار، كشفت عن إطلاق السجل المنجمي الرقمي الوطني، الذي مكّن من تحويل أكثر من أربعين مسطرة إدارية إلى خدمات رقمية متاحة عن بعد، في خطوة تهدف إلى تقليص التعقيدات الإدارية وقطع الطريق أمام الوساطة غير الرسمية.
وبلغة واثقة، شددت الوزيرة على أن هذا التحول الرقمي لم يكن مستورداً، بل أنجز بكفاءات مغربية، في إشارة إلى رهانها على تثمين الخبرة الوطنية في تدبير القطاعات الاستراتيجية. كما أبرزت أن هذا النظام الجديد يتيح للمستثمرين الاطلاع المسبق على الإمكانات المنجمية قبل اتخاذ قرار الاستثمار، وهو ما يعزز الشفافية ويقلص من منطق المغامرة الذي طبع هذا المجال في فترات سابقة.
ولم تغب عن بنعلي خصوصية القطاع المنجمي التقليدي، حيث قدمت معطيات تفيد بإطلاق دينامية جديدة عبر مركزية الشراء والتنمية لتافيلالت وفكيك، معتبرة أن هذا الفضاء يشكل نموذجاً لاختبار مقاربة مختلفة تقوم على تنظيم النشاط وإدماج العاملين فيه ضمن دورة اقتصادية أكثر هيكلة. كما أكدت أن إعلاناً عمومياً للمنافسة يغطي مساحة واسعة يفوق 1,3 مليون هكتار تم إطلاقه، مع الحرص على إدماج معايير الاستدامة واستعمال الطاقات المتجددة.
وبأسلوب يعكس انفتاحاً على الفاعلين، أوضحت الوزيرة أن هذا الورش لم يُبنَ في معزل عن الميدان، بل رافقته لقاءات تواصلية وورشات استماع مع المهنيين والصناع المنجميين، مؤكدة أن الحكومة مستعدة لتعديل الخيارات المطروحة متى اقتضت الحاجة ذلك، بما يضمن تحقيق توازن بين متطلبات الاستثمار وانتظارات الساكنة المحلية.
وفي أفق توسيع هذا المسار، أعلنت بنعلي عن إعداد برنامج وطني لإعادة منح أكثر من ألف رخصة معدنية بحلول سنة 2026، مع انطلاق أولى خطواته على مستوى ثلاث جهات كبرى، في خطوة تعكس إرادة لإعادة توزيع الفرص الاستثمارية بشكل أكثر توازناً عبر التراب الوطني.
وبين لغة الأرقام ومنطق الإصلاح، تحاول ليلى بنعلي رسم ملامح مرحلة جديدة لقطاع المناجم، عنوانها الانتقال من التدبير الإداري التقليدي إلى حكامة حديثة تقوم على الرقمنة، ومن استغلال الموارد إلى تثمينها في إطار مستدام، ومن تجاهل العامل البشري إلى وضعه في صلب السياسات العمومية. غير أن التحدي الحقيقي، كما يوحي خطابها، لن يكون في صياغة الرؤية، بل في قدرتها على تحويل هذه الوعود إلى واقع يلمسه العامل في عمق المنجم، كما يلمسه المستثمر في وضوح المساطر، والمواطن في عدالة توزيع الثروة.





