حصيلة تكشف أكثر مما تخفي.. أعطاب مجلس النواب على لسان رئيسه

حسين العياشي

متابعة_استدعى رئيس مجلس النواب، رشيد الطالبي العلمي، وهو يقدم حصيلة العمل البرلماني، لحظة مراجعة بدت، في ظاهرها، أقرب إلى عرض مؤسساتي تقليدي، لكنها حملت في عمقها ملامح اعتراف حذر بأعطاب بنيوية لم تعد قابلة للتجاوز بالصمت أو بلغة الأرقام. فالرجل، وهو يعرض المنجز، لم يتردد في الإشارة إلى ما يعترض أداء المؤسسة من اختلالات، مؤكدا أن “تقييم الأداء لا ينبغي أن يقتصر على المؤشرات الرقمية”، في إحالة مباشرة على فجوة آخذة في الاتساع بين ما ينجز داخل البرلمان وما يلمس أثره في الواقع.

هذا الإقرار، وإن جاء بصيغة هادئة، يكشف أن النقاش حول البرلمان لم يعد محصورا في حجم الإنتاج التشريعي، بل في طبيعة تأثيره. فحين يصبح السؤال هو: ماذا غيّرت القوانين في حياة المواطنين؟ فإن الحصيلة تتحول من مجرد أرقام إلى اختبار فعلي لنجاعة المؤسسة. وهنا بالضبط تتبدى حدود الخطاب حين يصطدم بواقع يعيد طرح نفس الأسئلة القديمة بوجوه جديدة.

وفي هذا السياق، اختار الطالبي العلمي أن يعيد تأطير واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، وهي ظاهرة الغياب داخل الجلسات، معتبرا أن “الإشكال لا يكمن فقط في الحضور العددي داخل القاعة، بل في مدى التزام البرلماني بمهامه التمثيلية”. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته النظرية، لا يلغي أن الغياب تحوّل إلى مؤشر رمزي على خلل أعمق. فالمسألة لا تتعلق فقط ببرلماني غائب، بل بصورة مؤسسة يفترض أن تعكس نبض المجتمع، فإذا بها تبدو، في لحظات كثيرة، بعيدة عنه. ومن هنا، فإن نقل النقاش من الغياب إلى الالتزام لا يجيب عن السؤال بقدر ما يعيد صياغته.

وعلى مستوى الرقابة، بدا رئيس مجلس النواب أكثر صراحة حين أقر بأن تفعيل بعض الآليات، وعلى رأسها لجان تقصي الحقائق، يظل “مرتبطا بتوفر شروط التوافق داخل المؤسسة”. وهو تصريح يختزل إشكالا” بنيويا”، حيث تتحول الرقابة من وظيفة دستورية مستقلة إلى مجال تحكمه توازنات سياسية دقيقة. فحين تصبح مساءلة الحكومة رهينة للتوافق، تفقد الرقابة جزءا من جوهرها، وتتحول من أداة للمحاسبة إلى أداة للتدبير السياسي، تفعّل أو تجمّد وفق منطق الحسابات لا وفق منطق المصلحة العامة.

ولا يبتعد التشريع بدوره عن هذا السياق، إذ اعترف الطالبي العلمي بوجود “حاجة إلى استكمال الترسانة القانونية المرتبطة بتخليق الحياة العامة”، خاصة في ما يتعلق بتضارب المصالح والإثراء غير المشروع. وهو اعتراف يفتح باب التساؤل حول أسباب هذا التأخر، في وقت أصبحت فيه هذه القوانين معيارا لقياس جدية الإصلاح وشفافية تدبير الشأن العام. فالمشكل هنا لا يكمن فقط في غياب النصوص، بل في دلالات هذا الغياب، وفي ما يعكسه من تردد أو بطء في مواكبة تحولات المجتمع وانتظاراته.

أما ورش إصلاح مدونة الأسرة، فقد قدمه رئيس المجلس باعتباره ملفاً “يكتسي طابعا خاصا بالنظر إلى أبعاده الاجتماعية والقيمية”، مشددا على ضرورة اعتماده مقاربة تشاورية واسعة. غير أن هذا التوصيف، على أهميته، يضعنا أمام مفارقة الزمن التشريعي، حيث تتسارع التحولات المجتمعية بوتيرة تفوق قدرة المؤسسة على الحسم. وبين منطق التوافق ومنطق الاستجابة للتحولات، يظل هذا الورش معلقا في منطقة وسطى، تعكس تعقيد التوازنات أكثر مما تعكس وضوح الرؤية.

في العمق، تكشف الحصيلة البرلمانية، كما صاغها الطالبي العلمي، عن وعي متزايد داخل المؤسسة بحدود أدائها، لكنها في الوقت نفسه تعكس استمرار الارتهان لمنطق التوازنات الذي يقيد إمكانيات التطوير. فبين الإقرار بأن الأرقام لا تكفي، والاعتراف بأن الرقابة رهينة للتوافق، والتنبيه إلى ضرورة استكمال التشريع، يتشكل خطاب يبدو أقرب إلى تشخيص دقيق للأعطاب، دون أن يرقى بعد إلى مستوى معالجتها.

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى، برلمان واع باختلالاته، لكنه لم يحسم بعد في كيفية تجاوزها. فالسؤال لم يعد يتعلق بما إذا كانت هناك أعطاب، بل بما إذا كانت هناك إرادة كافية لتحويل هذا الوعي إلى فعل. لأن الرهان الحقيقي، كما يوحي بذلك خطاب رئيس المجلس، لا يكمن في تحسين صورة المؤسسة، بل في إعادة بناء دورها كفاعل مؤثر في السياسات العمومية، قادر على الانتقال من منطق الحضور الرمزي إلى منطق التأثير الفعلي.

وبين خطاب يعترف بالإكراهات وواقع يعيد إنتاجها، يظل البرلمان أمام اختبار حقيقي، إما أن يحول هذه اللحظة من مجرد حصيلة إلى نقطة انطلاق لإصلاح أعمق، أو أن يستمر في الدوران داخل نفس الحلقة، حيث تقال الأعطاب في التقارير، وتعاد إنتاجها في الممارسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى