“تمثيلية بئيسة” داخل البرلمان.. ونائبة تفجّر أسئلة محرجة للجميع!

حسين العياشي
خبر_انزلقت جلسة تشريعية بمجلس النواب، كانت مبرمجة لمناقشة مقترحات قوانين تمس تفاصيل دقيقة من الحياة اليومية للمغاربة، إلى لحظة سياسية كشفت ما هو أعمق من مجرد غياب حكومي عابر، إذ بدت القاعة وكأنها تعكس ارتباكا صامتا في وظيفة التشريع نفسها، وتطرح، دون مواربة، سؤالا مقلقا حول موقع البرلمان داخل معادلة القرار العمومي.
لم يكن الأمر مجرد خلل تنظيمي أو سوء تدبير لجدول الأعمال، بل لحظة انزاح فيها النقاش من مضمون النصوص إلى شروط إنتاجها، ومن تقييم السياسات إلى مساءلة الفعل التشريعي في جوهره. فبينما كان يفترض أن تنصب المداولات على تفاصيل المقترحات المعروضة، تحوّل النقاش سريعا إلى سؤال أشمل يتعلق بجدوى التشريع حين يفقد أثره العملي، ويظل حبيس المساطر دون أن يترجم إلى سياسات ملموسة.
داخل هذا السياق، استنزف الزمن البرلماني في سجال محتدم بين الأغلبية والمعارضة حول غياب الحكومة، في حين كانت القاعة تقدم صورة موازية لا تقل دلالة، حيث المقاعد الشاغرة والنقاش الباهت يعكسان غيابا مضاعفا، لا يقتصر على السلطة التنفيذية، بل يمتد إلى جزء من التمثيلية النيابية نفسها، بما يفرغ اللحظة التشريعية من ثقلها السياسي.
وسط هذا الارتباك، برزت مداخلة النائبة مليكة الزخنيني، عن الفريق الاشتراكي للمعارضة الاتحادية، كتحول نوعي في مسار النقاش، إذ انتقلت به من مستوى الاعتراض الإجرائي إلى مساءلة أعمق تمس جوهر العملية التشريعية. فقد طرحت، بنبرة مباشرة، أسئلة محرجة حول جدوى الاستمرار في إنتاج “مقترحات قوانين” لا تجد طريقها إلى التفعيل، معتبرة أن الإشكال لم يعد في النصوص بقدر ما أصبح في قدرتها على التأثير داخل السياسات العمومية.
ولم تكتف الزخنيني بطرح الإشكال في بعده العام، بل وجهت نقدا واضحا لطريقة تدبير الجلسة، معتبرة أن عرض مقترحات القوانين بشكل جماعي يفرغها من مضمونها، ويختزل النقاش في إجراء سريع لا يمنح النصوص حقها في التمحيص والتداول، في تعارض صريح مع روح العمل التشريعي القائم على النقاش المفصل والتدرج في البناء القانوني.
كما شددت على أن اختزال النقاش في غياب الحكومة لا يجب أن يحجب خللا آخر لا يقل خطورة، يتمثل في غياب عدد من النواب عن أداء أدوارهم التمثيلية، معتبرة أن ما يجري داخل القاعة لا يرقى إلى مستوى اللحظة التشريعية، بل يطرح تساؤلات حقيقية حول صورة المؤسسة ومصداقيتها.
وفي خضم هذا الجدل، دخل الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان، مصطفى بايتاس، إلى القاعة بعد انتهاء المداخلات، في محاولة للتفاعل مع النقاش الذي كان قد بلغ مستوى متقدما من التوتر والتساؤل.
وأوضح الوزير، في مداخلته، أن اجتهاد المحكمة الدستورية لا يلزم الحكومة بحضور جلسات دراسة مقترحات القوانين، معتبرا أن هذا النقاش محسوم من الناحية القانونية، وأن العلاقة بين الحكومة والبرلمان لا يمكن اختزالها في منطق الحضور أو الغياب، بل تقوم على توازن مؤسساتي تحكمه مقتضيات دستورية ومساطر محددة. كما أشار إلى أن مقترحات القوانين لا تخضع لنفس المسار الذي تمر منه مشاريع القوانين داخل المجلس الحكومي، ما يجعل التعامل معها مختلفا من حيث الإجراءات.
غير أن هذا التوضيح، رغم انسجامه مع القراءة القانونية، أعاد النقاش إلى مستوى أعمق يتجاوز النصوص نحو دلالاتها السياسية. فغياب لا يخالف القانون قد يظل، في رمزيته، مؤشرا على طبيعة العلاقة بين السلط، وعلى موقع البرلمان داخل هندسة القرار، خصوصا حين يتقاطع مع حضور نيابي غير مكتمل يضعف من قوة النقاش وفعاليته.
وهكذا، بدا المشهد وكأنه يعكس خللا مركبا يتداخل فيه الإجرائي بالمؤسساتي، حيث لا يتعلق الأمر فقط بغياب هذا الطرف أو ذاك، بل بنمط من الاشتغال يجعل التشريع أقرب إلى ممارسة شكلية تكتمل فيها المساطر دون أن يواكبها الأثر السياسي المنتظر.
ما كشفته هذه الجلسة لا يقف عند حدود الواقعة، بل يلامس سؤالا أعمق حول وظيفة البرلمان في صيغتها الراهنة: هل ما يزال فضاء حقيقيا للنقاش وصناعة القرار، أم أنه ينزلق تدريجيا نحو دور إجرائي محدود؟ سؤال يظل مفتوحا، لكنه يزداد إلحاحا مع كل لحظة مماثلة تتكرر تحت القبة البرلمانية، وتضع المؤسسة أمام اختبار متجدد لمدى قدرتها على استعادة المعنى قبل استكمال الشكل.





