التمثلات الثقافية للإعاقة.. بين المقاربة الطبية التقليدية وسؤال التنمية الشاملة

أميمة حدري
خبر_ احتضن رواق المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب المنظم بالعاصمة الرباط، ندوة علمية حول موضوع التمثلات الثقافية للأشخاص في وضعية إعاقة وسؤال التنمية الشاملة، بمشاركة باحثين وخبراء وفاعلين مدنيين، وذلك في سياق نقاش أكاديمي وحقوقي يروم تسليط الضوء على الأبعاد الثقافية والاجتماعية المرتبطة بقضايا الإعاقة، وانعكاساتها على السياسات العمومية ومسارات الإدماج.
من النموذج الطبي التقليدي إلى المقاربة الاجتماعية
وفي هذا السياق، اعتبر عبد الملك أصريح، الباحث في السياسات العمومية المتعلقة بالإعاقة والفاعل المدني، أن موضوع التمثلات الثقافية يعد موضوعا مركزيا وأساسيا في مقاربة قضايا الإعاقة، موضحا أن الانتقال نحو نموذج جديد في فهم الإعاقة يقتضي تجاوز المقاربة الطبية التقليدية التي تختزل الإعاقة في القصور الفردي، نحو مقاربة تعتبر أن المعيقات الحقيقية توجد في البيئة الاجتماعية والثقافية المحيطة بالفرد.
وأوضح أصريح في تصريح لـ “إعلام تيفي” ذاته أن ما وصفه بـ”المعيق الثقافي” يشكل أحد أبرز العوائق أمام إرساء تصور تقدمي لقضايا الإعاقة، بالنظر إلى استمرار انتشار صور ذهنية سلبية تجاه الأشخاص في وضعية إعاقة، مشيرا إلى أن هذه التمثلات لا تظل في حدود التصورات الفكرية، بل قد تتحول إلى مواقف وسلوكات وقرارات ذات أثر مباشر، سواء على مستوى الفعل السياسي أو التشريعي أو التدبيري، بما في ذلك القرارات المرتبطة بالسياسات العمومية أو التشريعات التي قد لا تراعي بشكل كاف حقوق هذه الفئة.

وأضاف أن خطورة هذه التمثلات تكمن كذلك في كونها عابرة للفئات الاجتماعية والمستويات التعليمية، إذ لا ترتبط بفئة دون أخرى، بل تتغذى من آليات التنشئة الاجتماعية ومختلف أشكال الإنتاج الثقافي، سواء داخل المدرسة أو في الفضاء العام أو عبر الإعلام أو الإنتاجات الفنية والإبداعية، مبرزا أن تغيير هذه الصور يقتضي اشتغالا شاملا على مختلف هذه المستويات من أجل إنتاج وعي اجتماعي أكثر توازنا وإنصافا.
وسجل الفاعل المدني أن المطلوب اليوم هو بناء صورة اجتماعية متوازنة عن الأشخاص في وضعية إعاقة، بعيدا عن الاختزال في ثنائية “البطولة” أو “العجز”، موضحا أن النجاح لا ينبغي ربطه حصرا بالإعاقة كما أن الفشل لا يمكن تفسيره بها بشكل مطلق، داعيا إلى مقاربة إنسانية تنظر إلى الشخص في كليته وتنوع قدراته، في إطار رؤية تعتبر الإعاقة أحد أبعاد التجربة الإنسانية وليس محددا وحيدا لها. داعيا إلى بلورة سياسة عمومية مندمجة تنطلق من المنظومة التعليمية، وتمر عبر الإعلام، وتصل إلى التشريع، بهدف تعزيز ثقافة الإدماج وترسيخ المساواة في الفرص.
التمثلات الثقافية كعائق غير مرئي أمام الإدماج والمساواة
من جهته، أكد إيدير أوغندي، الأستاذ الجامعي والخبير في التنمية الشاملة وحقوق الإنسان، أن النقاش حول التمثلات الثقافية تجاه الأشخاص في وضعية إعاقة لم يعد موضوعا ثانويا، بل أصبح عنصرا محوريا في أي تفكير حول التنمية الشاملة. مبرزا أن الثقافة بمختلف روافدها تمثل إما رافعة للإدماج أو عائقا أمامه، بحسب طبيعة الصور التي تنتجها وتعيد إنتاجها داخل المجتمع.
وأشار إيدير أوغندي في تصريح لـ “إعلام تيفي“، إلى أن الثقافة المغربية، بما تحمله من تنوع وغنى، قادرة على أن تشكل أرضية لتعزيز قيم الاندماج، لكنها في المقابل ما تزال تتضمن بعض التعبيرات اللغوية والرمزية التي تكرس صورا نمطية سلبية، لافتا إلى استعمالات دارجة تحمل دلالات إقصائية أو تحقيرية، وهو ما يساهم في إعادة إنتاج نظرة دونية تجاه الأشخاص في وضعية إعاقة.

وشدد على أن الإشكال لا يكمن في الشخص المعاق، بل في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الإعاقة، معتبرا أن هذا التحول في زاوية النظر يمثل شرطا أساسيا للانتقال نحو نموذج مجتمعي أكثر شمولية وإنصافا، حيث يتم التركيز على القدرات والإمكانات بدل القصور، وعلى الحقوق بدل الوصم الاجتماعي.
وأضاف أن الثقافة، بمختلف تعبيراتها من فن ومسرح وموسيقى وإبداع، يمكن أن تلعب دورا محوريا في تغيير هذه التمثلات، مشيرا إلى أن التجارب الدولية أظهرت أن الانفتاح الثقافي يمثل مدخلا أساسيا لتعزيز الإدماج، واستحضر في هذا السياق نماذج لشخصيات فكرية وثقافية عالمية استطاعت تجاوز إعاقتها والمساهمة في الإنتاج المعرفي والإنساني، في إشارة إلى إمكانية تحويل الثقافة إلى أداة فاعلة ضمن السياسات العمومية الداعمة للشمول.
وخلصت الندوة إلى التأكيد على أهمية إعادة النظر في التمثلات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالإعاقة، وضرورة إدماج هذا البعد في السياسات العمومية، باعتباره شرطا أساسيا لتحقيق تنمية شاملة تقوم على المساواة والكرامة الإنسانية، وتعزز حضور الأشخاص في وضعية إعاقة في مختلف مجالات الحياة العامة دون تمييز.





