عيد بلا فرحة؟ أسعار الأكباش تضع الأسر المغربية تحت الضغط!

حسين العياشي

خبر_يعود ملف أسعار الأضاحي إلى صدارة النقاش العمومي مع اقتراب عيد الأضحى، حاملا معه قلقا اجتماعيا متجددا يثقل كاهل الأسر المغربية، ويضع الحكومة أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على ضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية في لحظة حساسة تختلط فيها الرمزية الدينية بالإكراهات الاقتصادية.

في هذا السياق المشحون، اختارت النائبة البرلمانية لبنى الصغيري أن تنقل هذا القلق من الشارع إلى قبة البرلمان، عبر مساءلة كتابية موجهة إلى وزير الفلاحة، طرحت فيها أسئلة مباشرة حول الارتفاع اللافت في أسعار الأكباش، وما إذا كانت الحكومة تملك فعلاً تصوراً عملياً لتفادي انزلاق هذه المناسبة نحو عبء اجتماعي يهدد توازن الأسر، بدل أن تبقى لحظة تضامن وفرح كما درجت عليه التقاليد المغربية.

وتكشف هذه المبادرة البرلمانية، في عمقها، عن فجوة آخذة في الاتساع بين واقع السوق وتوقعات المواطنين، إذ لم يعد ارتفاع الأسعار مجرد ظاهرة ظرفية مرتبطة بالمواسم، بل أصبح مؤشراً على اختلالات بنيوية في سلاسل التوزيع، حيث يبرز دور الوسطاء والسماسرة كأحد أبرز العوامل التي تعيد تشكيل الأسعار خارج منطق التكلفة الحقيقية أو توازن العرض والطلب.

ففي فضاءات بيع الماشية، لم يعد المشهد محكوماً فقط بحركة البيع والشراء، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى مجال مفتوح للمضاربة، حيث تتداخل المصالح وتتعدد حلقات الوساطة بشكل يرفع السعر النهائي للأضحية إلى مستويات تفوق القدرة الفعلية لعدد واسع من الأسر. وهو ما دفع النائبة إلى التحذير من “اقتصاد الظل” الذي ينشط في هذه الفضاءات، ويُفرغ السوق من قواعده الطبيعية، ويجعل المستهلك الحلقة الأضعف في معادلة غير متكافئة.

غير أن تشخيص الأزمة، كما جاء في السؤال البرلماني، لم يقف عند حدود السماسرة أو اختلالات التوزيع، بل امتد إلى مساءلة صمت المعطيات الرسمية، في ظل غياب أرقام دقيقة ومحيّنة حول حجم القطيع الوطني المخصص للعيد، ومدى قدرته على تلبية الطلب المرتقب. فغياب هذه المعطيات، في نظر المتتبعين، لا يترك فقط فراغاً معلوماتيا، بل يفتح المجال أيضاً أمام الإشاعات والتقديرات غير الدقيقة التي تغذي بدورها موجة المضاربة وترفع منسوب القلق داخل المجتمع.

ومن هنا، يتقاطع البعد الاقتصادي مع البعد التواصلي، حيث تصبح شفافية المعلومة جزءا لا يتجزأ من آليات ضبط السوق. فكلما غابت الأرقام الرسمية الدقيقة، كلما تعززت سلطة الوسطاء في تحديد الأسعار وفق منطقهم الخاص، بعيداً عن أي رقابة مؤسساتية فعالة.

وفي مواجهة هذا الوضع، دعت النائبة إلى إحداث أسواق نموذجية منظمة، قادرة على ضمان حد أدنى من الشفافية في المعاملات، إلى جانب تفعيل مراقبة ميدانية صارمة تستهدف شبكات السمسرة غير المنظمة، التي تستثمر في غياب الضبط لتحقيق أرباح استثنائية على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.

كما لم تغفل المساءلة البرلمانية البعد الهيكلي للأزمة، المرتبط بارتفاع كلفة الأعلاف والنقل، وهي عوامل تضغط بدورها على المربين وترفع من كلفة الإنتاج، ما يستدعي، وفق هذا الطرح، مقاربة شمولية لا تكتفي بالتدخل الظرفي في الأسواق، بل تمتد إلى معالجة جذور الاختلالات داخل المنظومة الفلاحية وسلسلة القيمة المرتبطة بتربية الماشية.

وفي ختام مساءلتها، وضعت النائبة الحكومة أمام مسؤولية مزدوجة: حماية كرامة المواطن من جهة، وضمان توازن عادل بين مصالح المنتجين والمستهلكين من جهة أخرى، متسائلة عن مدى وجود برامج دعم استثنائية يمكن أن تخفف العبء عن الفئات الهشة والمتوسطة، وعن أسباب التفاوت الكبير في الأسعار بين مختلف جهات المملكة.

وبين ضغط السوق وانتظارات المجتمع، يظل عيد الأضحى اختبارا سنويا حقيقيا لنجاعة السياسات العمومية في تدبير اللحظات الاجتماعية الحساسة، حيث لا يتعلق الأمر فقط بضبط الأسعار، بل بإعادة بناء الثقة بين المواطن والسوق، وبين المواطن والمؤسسات، في زمن لم يعد يحتمل الكثير من الهامش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى