12 ساعة عمل وتنقيلات مفاجئة.. ماذا يجري لحراس الأمن داخل وكالات البنك الشعبي؟

حسين العياشي

خبر_تتسلل ملامح توتر اجتماعي جديد إلى أروقة الوكالات البنكية التابعة للبنك الشعبي، لكن هذه المرة بعيدا عن المكاتب المكيفة وقاعات الاجتماعات الرسمية، ومن قلب الفئة التي تظل الأكثر اختفاء في المشهد اليومي للمؤسسات المالية: حراس الأمن الخاص. فخلف الهدوء الذي تبدو عليه واجهات البنوك، يتشكل صراع نقابي آخذ في التصاعد، عنوانه الأبرز اتهامات بـ”التضييق” على العمل النقابي واستعمال التنقيلات المفاجئة كسلاح لإعادة رسم موازين القوة داخل فضاءات الشغل.

الشرارة الجديدة لهذا الملف جاءت بعد دخول المكتب الوطني للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، على خط المواجهة بشكل مباشر، عبر مراسلة رسمية وُجهت إلى كاتب الدولة المكلف بالشغل هشام صابري، تحمل اتهامات ثقيلة لما وصفته النقابة بـ”الحملة الانتقامية” التي تستهدف حراس الأمن الخاص بسبب انتمائهم النقابي.

الرسالة، التي وقعتها الكاتبة العامة للنقابة لبنى نجيب، ترسم صورة قاتمة عن أوضاع فئة تعتبر من أكثر الفئات هشاشة داخل سوق الشغل المغربي، إذ تتحدث عن قرارات تنقيل مفاجئة طالت عددا من الحراس، جرى تبليغهم بها عبر مفوض قضائي، في مشهد بدا، بالنسبة للنقابة، أقرب إلى رسالة تأديبية منه إلى إجراء إداري عادي.

وتعتبر الهيئة النقابية أن ما يجري لا يمكن اختزاله في مجرد “حركية داخلية” أو ترتيبات مهنية مرتبطة بتدبير الموارد البشرية، بل يتعلق، بحسب توصيفها، بمحاولة واضحة لمعاقبة العمال بسبب نشاطهم النقابي، في خرق صريح لمقتضيات الحريات النقابية التي يضمنها القانون المغربي والمواثيق الدولية ذات الصلة.

غير أن أكثر ما يمنح هذا الملف حساسيته لا يتعلق فقط بقرارات التنقيل في حد ذاتها، بل بالسياق المهني الذي تشتغل داخله هذه الفئة. فحراس الأمن الخاص، الذين يشكلون خط الدفاع الأول عن المؤسسات البنكية ومرافقها، يشتغل كثير منهم في ظروف توصف بالنزيف الصامت؛ ساعات عمل طويلة قد تمتد إلى 12 ساعة يوميا، ضغط متواصل، واستقرار مهني هش يجعل أي قرار مفاجئ بالتنقيل أو الاستبعاد بمثابة تهديد مباشر لمصدر العيش.

وفي هذا السياق، ترى النقابة أن الشركة المشغلة، بتنسيق مع البنك الشعبي باعتباره الجهة المتعاقدة، تتحمل مسؤولية مباشرة في ما تصفه بـ”الانتهاكات المهنية”، معتبرة أن الأمر يتجاوز خلافا شغليا عاديا ليطرح سؤال احترام القانون داخل واحدة من أكبر المؤسسات المالية بالمملكة، خصوصاً في ما يتعلق بالمادة 184 من مدونة الشغل، التي تؤطر حماية الممارسة النقابية وتمنع أي تمييز قائم على الانتماء النقابي.

ويكشف هذا التصعيد، في عمقه، عن مفارقة باتت تتكرر داخل عدد من القطاعات الحيوية بالمغرب؛ فبينما تتجه المؤسسات الكبرى إلى تعزيز صورتها في مجالات الحكامة والمسؤولية الاجتماعية، تستمر فئات مهنية كاملة في الاشتغال داخل مناطق رمادية من الحماية القانونية والاجتماعية، حيث يبقى الحق النقابي هشاً أمام منطق التعاقد والمناولة والخوف الدائم من فقدان العمل.

كما يعيد الملف إلى الواجهة النقاش القديم حول أوضاع شركات الحراسة الخاصة، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكبر مزودي اليد العاملة في قطاعات حساسة، من الأبناك إلى الإدارات والمستشفيات، دون أن يواكب هذا التوسع دائما تحسن موازٍ في شروط العمل أو في ضمانات الاستقرار المهني والاجتماعي للعاملين بها.

وأمام تصاعد هذا الاحتقان، طالبت النقابة وزارة الشغل بالتدخل العاجل لفتح تحقيق شفاف في ما وصفته بالخروقات المسجلة، مع وقف الإجراءات التي تعتبرها تعسفية، وإنصاف الحراس المتضررين، وترتيب الجزاءات القانونية الضرورية في حق كل الجهات التي يثبت تورطها في المس بالحريات النقابية.

لكن خلف هذا السجال القانوني والنقابي، يبرز سؤال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة التي تربط المؤسسات الكبرى بفئات الظل التي تؤمن سيرها اليومي. فحين يشعر حارس الأمن، الذي يقضي ساعات طويلة واقفاً أمام أبواب الوكالات البنكية، بأن انتماءه النقابي قد يتحول إلى سبب للعقاب أو الإبعاد، فإن الأمر لا يتعلق فقط بنزاع مهني عابر، بل بصورة أوسع عن هشاشة التوازن بين السلطة الاقتصادية وحقوق الشغيلة داخل سوق العمل المغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى