طائرات بدون طيار ودفاع سيبراني.. “الأسد الإفريقي” يواكب تحولات الحروب المعاصرة

أميمة حدري
أكدت مناورات “الأسد الإفريقي 2026” التي اختتمت فعالياتها بالمغرب، التحول المتسارع الذي تشهده العقائد العسكرية الحديثة، في ظل تنامي التهديدات المرتبطة بالحروب الهجينة والهجمات السيبرانية والتكنولوجيا غير المأهولة، وذلك من خلال تركيز النسخة الثانية والعشرين من هذه المناورات المشتركة المغربية الأمريكية على إدماج أنظمة الطائرات بدون طيار، وقدرات الاستخبارات والمراقبة، وآليات الدفاع السيبراني ضمن التمارين الميدانية متعددة الجنسيات.
وحملت التصريحات الصادرة عن المسؤولين العسكريين الأمريكيين والمغاربة، خلال المؤتمر الصحافي الذي أعقب التمرين الختامي بمنطقة “كاب درعة”، مؤشرات واضحة على أن “الأسد الإفريقي” تجاوز منذ سنوات طابعه التدريبي التقليدي، ليتحول إلى فضاء استراتيجي لاختبار أنظمة الدفاع الحديثة ورفع مستوى التنسيق بين جيوش تنتمي إلى قارات مختلفة، في ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد التوترات الأمنية واتساع بؤر عدم الاستقرار، خصوصا بمنطقة الساحل والصحراء.
ويبرز التركيز الكبير على أنظمة الطائرات بدون طيار وقدرات الدفاع السيبراني داخل مناورات هذه السنة حجم التحولات التي تشهدها الحروب المعاصرة، بعدما أصبحت الطائرات غير المأهولة أداة أساسية في عمليات الاستطلاع والرصد والاستهداف، كما أضحت الهجمات الإلكترونية جزءا من المعارك الحديثة التي تستهدف البنيات التحتية الحساسة وأنظمة الاتصالات والقيادة العسكرية.
وهو ما يفسر توجه عدد من الجيوش الكبرى نحو الاستثمار المكثف في التكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي والأنظمة الدفاعية الرقمية.
وفي هذا الإطار، أكد الجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، أن طبيعة الحروب تتغير بشكل متسارع، مشيرا إلى أن التمارين العسكرية المشتركة أصبحت مطالبة بمواكبة هذه التحولات عبر دمج التقنيات الجديدة ضمن العمليات الميدانية.
كما سجل أن التهديدات الإرهابية وعدم الاستقرار بمنطقة الساحل لم تعد قضايا محلية معزولة، بل تحولت إلى تحديات أمنية عابرة للحدود تفرض تنسيقا جماعيا بين الدول الحليفة.
وتكشف المشاركة الواسعة لعشرات الدول من إفريقيا وأوروبا وآسيا والأمريكيتين في هذه المناورات عن البعد الجيوستراتيجي الذي باتت تكتسيه “الأسد الإفريقي”، خاصة في ظل التنافس الدولي المتزايد حول النفوذ الأمني والعسكري داخل القارة الإفريقية. فالمغرب، من خلال احتضانه لهذه التدريبات متعددة الجنسيات، يواصل تعزيز موقعه كشريك استراتيجي للولايات المتحدة وحلفائها، مستفيدا من استقراره السياسي وموقعه الجغرافي القريب من أوروبا ومنطقة الساحل.
من جانبه، أكد العميد رضا شعايب، من القوات المسلحة الملكية، أن نسخة هذه السنة ركزت على الابتكار العسكري والدفاع السيبراني والاستخبارات والمراقبة، إلى جانب أنظمة الطائرات بدون طيار والمساعدات الإنسانية، معتبرا أن هذه الدينامية تعكس توجها متزايدا نحو بناء قدرات عسكرية أكثر مرونة وقدرة على التدخل في البيئات المعقدة.
ويعكس إدماج الجوانب الإنسانية والطبية ضمن المناورات، خاصة من خلال تنظيم أنشطة للرعاية الطبية بمدينة الداخلة، توجها أمريكيا ومغربيا نحو توسيع مفهوم التعاون العسكري ليشمل أبعادا إنسانية وتنموية، في محاولة لتعزيز الحضور الميداني وكسب الثقة داخل المناطق التي تواجه تحديات أمنية واجتماعية متزايدة.
كما تؤكد مناورات “الأسد الإفريقي” أن منطقة الساحل والصحراء ما تزال في صلب الاهتمام العسكري الأمريكي والغربي، في ظل تصاعد نشاط الجماعات المتطرفة وتنامي المخاوف المرتبطة بالهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.
وهو ما يجعل من هذه المناورات أداة لإعادة ترتيب أولويات التعاون الأمني والعسكري داخل القارة الإفريقية، خاصة مع تنامي الحاجة إلى جيوش قادرة على التعامل مع التهديدات الرقمية والتكنولوجية إلى جانب التهديدات الميدانية التقليدية.
وفي مقابل هذا التحول، يواصل المغرب تعزيز حضوره العسكري والدفاعي عبر تحديث ترسانته العسكرية والانفتاح على التقنيات الحديثة وتوسيع شراكاته الدفاعية، وهو ما يجعل “الأسد الإفريقي” ليس فقط تمرينا عسكريا مشتركا، بل مؤشرا على تغير موازين الحرب الحديثة واتجاه الجيوش نحو معارك تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا والتنسيق الاستخباراتي والحروب السيبرانية.





