غلاء الأضاحي بالمغرب.. أزمة أسعار تكشف اختلالات السوق وهيمنة “الشناقة”

جمال بلـــــة
الارتفاعات الصاروخية التي تشهدها أسواق الأضاحي بالمغرب هذه السنة تجاوزت حدود التقلبات الموسمية المعتادة، لتتحول إلى قضية اجتماعية واقتصادية تثير جدلا واسعا داخل الأوساط الشعبية، فالأمر لم يعد مرتبطا فقط بمنطق العرض والطلب أو بتداعيات الجفاف وغلاء الأعلاف، بل أصبح يعكس اختلالا عميقا في بنية السوق وغياب آليات حقيقية لضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة الفئات المتوسطة والفقيرة التي تجد نفسها كل سنة أمام عبء مالي متزايد يهدد توازنها المعيشي.
ويؤكد متابعون للشأن الاقتصادي أن ما يحدث داخل أسواق المواشي يكشف عن هيمنة الوسطاء أو ما يعرف بـ ” الشناقة “، الذين حولوا تجارة الأضاحي إلى مجال للمضاربة الموسمية وتحقيق الأرباح السريعة على حساب المستهلك والكساب الصغير معا، فالكبش ينتقل بين عدة أياد قبل وصوله إلى المواطن، لترتفع قيمته بشكل مبالغ فيه دون أي مبرر حقيقي يرتبط بتكاليف الإنتاج، وفي ظل هذا الوضع، تتصاعد التساؤلات حول دور السلطات الوصية وأجهزة المراقبة، وما إذا كانت عاجزة عن ضبط هذه الفوضى أو أن هناك تساهلا يسمح باستمرار هذا الريع الموسمي الذي يثقل كاهل الأسر المغربية كلما اقترب عيد الأضحى.
الأمر لا يحتاج إلى عصا سحرية، بل الحلول العملية متوفرة ولا تحتاج سوى إلى إرادة حقيقية للتنفيذ، خصوصا في ظل اعتماد نظام الترقيم الوطني للأضاحي الذي يمنح لكل رأس ماشية هوية رقمية تمكن من تتبع مساره منذ خروجه من الضيعة إلى غاية وصوله للمستهلك النهائي، بحيث يتم توثيق أول عملية بيع رسمية أن هذه العملية كفيلة بإعادة الانضباط إلى السوق وتقليص هامش التلاعب الذي يستفيد منه الوسطاء.
وفي نفس السياق ، يطفو على السطح النقاش المرتبط بالعدالة الجبائية داخل القطاع الفلاحي، حيث يعتبر كثيرون أن استمرار إعفاء كبار مربي الماشية من الضرائب رغم امتلاكهم لقطعان ضخمة وتحقيقهم أرباحا سنوية كبيرة، يطرح إشكالا أخلاقيا واجتماعيا حقيقيا، فهذه الفئة تستفيد من مختلف أشكال الدعم العمومي الموجه للأعلاف والمدخلات الفلاحية، دون أن تساهم بشكل عادل في تحمل الأعباء الضريبية أو تمويل السياسات الاجتماعية، ما يكرس شعورا متناميا بالحيف الطبقي ويعمق الفجوة بين الفئات الاجتماعية.
ومع تصاعد موجة الغضب الشعبي، برزت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات واسعة للمقاطعة تحت شعارات من قبيل “#خليه_يبعبع”، في تعبير واضح عن رفض المواطنين لمنطق الاستغلال والمضاربة، ويعتبر كثيرون أن هذه الدعوات ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل تعكس وعيا مجتمعيا متزايدا بضرورة مقاومة الاحتكار والدفاع عن الحق في سوق شفافة وعادلة، كما تؤكد هذه المواقف أن الشعائر الدينية ينبغي أن تبقى مرتبطة بقيم التضامن والتيسير، لا أن تتحول إلى مناسبة للضغط الاقتصادي والاستنزاف المالي الذي يدفع بعض الأسر نحو الاقتراض أو المديونية لتلبية متطلبات العيد.
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد المطالب بإصلاح جذري لمنظومة تسويق الأضاحي، يقوم على المراقبة الصارمة، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإرساء عدالة ضريبية حقيقية تشمل جميع الفاعلين دون استثناء، فالمواطن المغربي اليوم لم يعد يطالب فقط بخفض الأسعار، بل أصبح يطالب أيضا بسوق أكثر شفافية وإنصافا، وبسياسات عمومية تضع كرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية فوق منطق الربح والمضاربة الموسمية.





