صابري يكشف كيف تحولت الطاقة إلى ورش سيادي في المغرب

حسين العياشي

خبر_ظل ملف الطاقة في المغرب منذ سنوات، يقدم باعتباره أحد أكثر الأوراش الاستراتيجية التي تراهن عليها الدولة لإعادة رسم توازناتها الاقتصادية والسيادية. لكن النقاش الذي احتضنه مجلس النواب هذه المرة، على خلفية تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول قطاع الطاقات المتجددة، كشف أن الرهان لم يعد محصورا في إنتاج الكهرباء أو تقليص الانبعاثات، بل أصبح جزءا من معركة أوسع تتعلق بالأمن الاقتصادي، وجاذبية الاستثمار، وحتى بصورة المغرب داخل التحولات العالمية الكبرى المرتبطة بالطاقة النظيفة.

في هذا السياق، اختار هشام صابري، كاتب الدولة المكلف بالشغل، أن يقدم مرافعة حكومية متفائلة حول حصيلة الانتقال الطاقي بالمملكة، مؤكدا، نيابة عن وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، أن المغرب لم يعد ينظر إلى الطاقات المتجددة باعتبارها “ترفاً بيئياً”، بل باعتبارها ضرورة سيادية تفرضها تقلبات الأسواق الدولية والضغوط الجيوسياسية المتسارعة.

المغرب لم يعد رهينة للأسواق الخارجية

حديث المسؤول الحكومي حمل رسالة واضحة مفادها أن المملكة بدأت، منذ سنة 2009، بناء نموذج طاقي جديد هدفه التحرر التدريجي من الارتهان للخارج، عبر تنويع مصادر الطاقة والرفع من الاعتماد على الشمس والرياح بدل الأسواق الدولية المتقلبة. وفي خضم الأزمات الطاقية التي عصفت بعدد من الدول خلال السنوات الأخيرة، حاولت الحكومة تقديم التجربة المغربية باعتبارها نموذجا للاستباق، مشددة على أن أسعار الكهرباء ظلت مستقرة، وأن الأسر المغربية لم تتحمل زيادات إضافية في الفواتير منذ سنة 2017، رغم الارتفاعات الحادة التي عرفتها أسعار الطاقة عالميا.

ولم يكن التركيز منصبا فقط على الأثر المالي المباشر، بل أيضا على ما تعتبره الحكومة ثمرة لإصلاحات هيكلية مست مؤسسات القطاع، من إعادة ترتيب حكامة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، إلى تعزيز أدوار الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء، في محاولة لبناء سوق أكثر قدرة على امتصاص الصدمات وضمان استقرار التزويد.

أرقام ضخمة.. المغرب يسرّع سباق الطاقة الخضراء

غير أن الخطاب الحكومي بدا حريصا كذلك على ربط الطاقة بمفهوم “المغرب الصناعي الجديد”. فبحسب المعطيات التي عرضها صابري، تضاعفت الاستثمارات السنوية في قطاع الطاقات المتجددة ثلاث مرات مقارنة بسنة 2020، لتبلغ حوالي 11 مليار درهم سنويا خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، بينما ارتفعت مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي الوطني إلى ما يقارب نصف الإنتاج الوطني مع نهاية سنة 2025.

كما سجلت سنة 2026 رقما قياسيا في عدد التراخيص الممنوحة للمشاريع الجديدة بقدرة تناهز 2760 ميغاواط، وهو ما يعكس، وفق الرواية الحكومية، تسارعا واضحا في وتيرة التحول الطاقي، ورغبة في تحويل المغرب إلى منصة إقليمية لإنتاج الطاقة النظيفة.

من القرى النائية إلى الحوز.. الوجه الإنساني للانتقال الطاقي

لكن الأرقام، رغم ضخامتها، لم تكن وحدها محور المداخلة. فقد حاول المسؤول الحكومي منح هذا الورش بعدا اجتماعيا وإنسانيا، خاصة عندما انتقل للحديث عن العالم القروي والمناطق النائية، حيث تحولت الكهرباء، في كثير من الأحيان، من مجرد خدمة عمومية إلى عنوان للكرامة وربط الناس بالحياة اليومية.

وأكد أن برامج الكهربة القروية مكنت من بلوغ أكثر من 99 في المائة من القرى المغربية، مع توسيع الاعتماد على الطاقات المتجددة لتزويد المدارس والمستوصفات ودور الطالب بالطاقة.

وفي استحضار يحمل بعدا رمزيا، توقف صابري عند تجربة المناطق المتضررة من زلزال الحوز، حيث جرى تزويد عشرات الأسر بشبكات صغيرة للطاقة الشمسية، معتبرا أن نجاح الانتقال الطاقي لا يقاس فقط بحجم الميغاواط المنتجة، بل أيضا بقدرته على توفير “النور والكرامة وفرص العيش” للفئات الهشة والمناطق المنسية.

30 مليار درهم لإعادة رسم خريطة الكهرباء بالمغرب

وعلى مستوى البنيات التحتية، بدا واضحا أن الحكومة تراهن على مرحلة جديدة عنوانها تقوية الشبكة الكهربائية الوطنية وربط مراكز الإنتاج الكبرى بباقي التراب الوطني.

ولهذا أعلن المسؤول الحكومي عن استثمارات تناهز 30 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2025 و2030، تشمل مشاريع استراتيجية، أبرزها خط الربط الكهربائي عالي الجهد بين جنوب ووسط المملكة، بما يسمح بنقل الطاقة المنتجة من المشاريع الكبرى نحو مختلف المناطق، إلى جانب تسريع مشاريع التخزين الكهربائي وتطوير سوق الغاز الطبيعي باعتباره طاقة انتقالية تضمن استقرار الشبكة وتسهّل إدماج الطاقات المتجددة.

كيف تحولت الطاقة الخضراء إلى ورقة لجذب الشركات العالمية؟

ولم يخف صابري أن جزءا كبيرا من الرهان يرتبط أيضا بالمنافسة الدولية على الاستثمارات الصناعية الخضراء. فالمغرب، بحسب قوله، بات يستقطب شركات عالمية في مجالات صناعة الطائرات وبطاريات السيارات الكهربائية، بفضل قدرته على توفير طاقة نظيفة وتنافسية.

وهي معادلة تحاول المملكة من خلالها تحويل الطاقة إلى ورقة اقتصادية حاسمة، ليس فقط لتقليص التبعية الطاقية، بل أيضا لإعادة تموقعها داخل سلاسل الإنتاج العالمية الجديدة.

كما كشف أن القطاع ساهم، خلال الولاية الحكومية الحالية، في خلق أكثر من 1150 منصب شغل مباشر، إضافة إلى آلاف فرص العمل غير المباشرة، فضلا عن تمويل مشاريع تنموية بالمناطق التي تحتضن مشاريع الطاقات المتجددة، في محاولة لتقديم الانتقال الطاقي باعتباره رافعة للتنمية المحلية وليس مجرد ورش تقني معزول عن الواقع الاجتماعي.

بين الوعود الكبرى وانتظارات المواطن

وبين لغة الأرقام وخطاب السيادة والتنمية، بدا واضحا أن الحكومة تسعى إلى تسويق التحول الطاقي باعتباره أحد أعمدة “المغرب الجديد” الذي تريد بناءه؛ مغرب يراهن على الشمس والرياح ليس فقط لإنتاج الكهرباء، بل لإعادة تشكيل اقتصاده، وتعزيز استقلاله الاستراتيجي، وخلق موقع متقدم داخل الخريطة العالمية للطاقة النظيفة.

غير أن هذا الرهان، رغم زخمه، سيظل محكوما بقدرته على تحويل الوعود الكبرى إلى أثر ملموس يشعر به المواطن في فاتورته، وشغله، وحياته اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى